الحروب الصليبية

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

تاريخ السلفية ونشأتها



عندما اقترب القرن الهجري الأول من نهايته، كانت الفتوحات العربية قد بلغت مداها، وامتدت أطراف الإمبراطورية العربية التي صنعتها هذه الفتوحات.. فلقد فتح العرب في ثمانين عامًا أوسع مما فتح الرومان في ثمانية قرون؟!..

وهذه الفتوحات الكبرى قد نقلت العرب المسلمين إلى طور جديد.. فقبلها كانوا أقرب إلى البساطة في مجتمع عربي ساذج وبسيط، تعينهم مواريثهم الحضارية المحدودة، وبيئتهم البدوية التي تشبه الصفحة الواضحة المبسوطة، على أن يفهموا الإسلام من نصوص قرآنه الكريم وسنة نبيه، عليه الصلاة والسلام، وذلك دونما كثير تأويل أو قياس.. ولقد حافظت بساطة الحياة في شبه الجزيرة العربية، وخلوها من التركيب والتعقيد على سيادة هذا النهج الذي عرفه العرب والتزموه في فهم الإسلام، "النهج النصوصي"، الذي يقدم "الكتاب" على "الحكمة"، و"المأثور" على "الرأي والقياس"، حتى إن الصحابة الذين كانت لهم دربة وذخيرة في "الحكمة والتفلسف" قد طووا صدورهم على "حكمتهم وفلسفتهم" في أغلب الأحيان، لزهد المناهج فيها، ولقلة الدواعي التي تدعو إلى انتشار هذا النهج في ذلك الزمان وذلك المكان.
لكن الفتوحات الكبرى قد وضعت العرب المسلمين في قمة السلطة بالإمبراطورية التي ضمت أكثر بقاع الأرض يومئذ حظًا من المواريث الحضارية والأبنية الفكرية البالغة حدًا كبيرًا من التطور والتركيب والتعقيد.. ففارس بما تملك من ميراث حضاري، والهند بما لديها من حكمة، ومصر والشام بما فيهما من تراث غني -محلي أو يوناني وروماني- كل ذلك قد غدا في وعاء الدولة التي يحكمها العرب المسلمون.. وبدلا من المجتمع البدوي البسيط أصبحوا مسئولين عن قضايا مجتمع تنوعت قضاياه ومشاكله وتركبت الأبنية الفكرية لمؤسساته ومفكريه.. وكان طبيعيًا وضروريًا أن يواجه العرب المسلمون الفاتحون هذا الواقع الجديد، وكان طبيعيًا وضروريًا كذلك أن يتعلموا، وأن يعوا هذه الظاهرة الجديدة، ليحذقوها، كي يرتفعوا إلى مستوى القادة في هذا الواقع الجديد..
وهذا الذي حدث للعرب المسلمين القادمين من شبه الجزيرة العربية، حدث للإسلام!..
فدين القرآن العربي المبين، الذي أقنعت نصوصه البسيطة الواضحة عرب مجتمع شبه الجزيرة البسيط والواضح، قد أصبح محتاجًا إلى وسائل جديدة وبراهين معقدة وأدلة مركبة، كي يقنع أقوامًا ألفوا وسائل أخرى في الجدل والمناظرة والبرهنة والحجاج.. وزاد هذه الحاجة الجديدة ضرورةً وإلحاحًا أن الشرائع والعقائد والمذاهب غير الإسلامية، التي كان يدين ويتمذهب بها أبناء البلاد المفتوحة، قد استفادت من رفض الإسلام وأهله طريق الإكراه في الدين، فشنّت على الإسلام حربًا فكرية ضروسًا، مستخدمة فيها الأسلحة التي لم تعرفها شبه الجزيرة ولم يحذقها من قبل العرب المسلمون..
وعندما وجد العرب المسلمون أنهم يدافعون عن إسلامهم بمنطق بسيط في مواجهة مؤسسات فكرية لاهوتية قد تسلحت في صراعها ضده بمنطق أرسطو، وأنهم يبشرون بإسلامهم، مستخدمين النصوص، بين أقوام قد امتلكوا حكمة الهند وفلسفة اليونان.. رأوا أن الاحتكام إلى النصوص لا يجدي مع الذين لا يؤمنون بحجية وقدسية هذه النصوص، وأن الجدل بالمأثورات لا يقنع الذين يرفضون هذه المأثورات.. ورأوا كذلك أن هذا الواقع الفكري الجديد يتطلب أدوات صراع جديدة لذلك النزال الفكري الجديد، وأن هذه الأدوات لا بد أن تكون إنسانية الطابع عالمية النمط، أي: عقلانية، تصلح لكل ألوان الجدل والبرهنة، بصرف النظر عن لون الحضارة، أو النمط الفكري، أو اختلاف الأمة، أو تغير الزمان والتنوع في المكان.
وأمام هذه الضرورات الجديدة، أفرزت الجماعة العربية الإسلامية طليعة فلاسفتها الإلهيين -"المتكلمين" من علمائها- أولئك الذين امتدت بصيرتهم إلى ما وراء النصوص، مستخدمين العقل والقياس والتأويل، ناظرين في المواريث الفكرية -وخاصة الفلسفية- لأبناء البلاد المفتوحة، ومحصلين لمقولاتها، ثم مستخدمين لأسلحتها الفكرية وأدواتها في الجدل والمناظرات للدفاع عن عقائد الإسلام، وللتبشير بهذه العقائد في البيئات التي ما كان للنصوص والنصوصيين أن يحرزوا فيها نصرا لهذا الدين الجديد..
وهذه الطليعة من "المتكلمين"، فلاسفة الإسلام الإلهيين، هم مدرسة المعتزلة، أهل العدل والتوحيد .
لكن طبيعة هذا اللون الفلسفي من ألوان التفكير، وطبيعة البراهين التي يستخدمها هؤلاء "المتكلمون"، قد جعلت هذا الفكر فكر "صفوة"، لا فكر "عامة" و"جمهور"، ذلك أن "العامة والجمهور" قد وقفت بها مداركها عند "النصوص"، بل وعند "ظواهر النصوص" في أغلب الأحيان.. بل لقد ارتابت "العامة" في جدوى هذا المسلك الذي سلكه "المتكلمون"، بل وفي عقائد هؤلاء "المتكلمين"!.. وزاد من هذه الريبة أن غلو اللاهوتيين من غير المسلمين في رفض النصوص، قد جعل نفرًا من "المتكلمين" يهملون بعض النصوص الإسلامية أو يغضون من شأن بعض المأثورات، أو يؤولونها تأويلا لا يبرأ من العسر والاعتساف.. حتى جاء الوقت الذي خيل فيه إلى "العامة والجمهور" أن "إسلام عرب شبه الجزيرة" الأول، إسلام النصوص الواضحة البسيطة الغنية عن التأويل، والذي عرفه الناس زمن البعثة والصحابة والتابعين، قد أصبح "غريبا" في هذا الواقع الفكري الجديد!.. وعند هذا الطور من أطوار الحركة الفكرية في الإمبراطورية العربية الإسلامية برزت لهذا "الجمهور" ولهذا الفكر "الجمهوري" قياداته, فأذاعوا بين الناس حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم: " بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ "(1) وإذن هؤلاء القادة في الجمهور: أنه لا بد من العودة إلى الإسلام السلف، الإسلام الذي مضى وسلف، الإسلام الذي أصبح "غريبا" في مناخ فكري تفلسف وقدم العقل وبراهينه على النصوص والمأثورات، وأعمل الرأي والقياس والتأويل في هذه النصوص وتلك المأثورات.. وكان رأس هؤلاء الأعلام، أعلام الحركة السلفية، وإمامها الأول والأبرز الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل [164-241هـ 780-855م] الذي كان، كما كان خصومه، "ظاهرة عباسية"، بمعنى أن تبلور هذا الواقع الجديد وتلك التيارات الفكرية الجديدة إنما حدث في ظل حكم دولة بني العباس!..
المعالم الأولية والرئيسية للسلفية:
كان ابن حنبل أشبه ما يكون بـ"قراء عصر الصحابة، قبل أن يعرف عالم الإسلام" "الفقهاء" و"المتكلمين"، فضلا عن "الفلاسفة والحكماء"، وكان شبهه بـ"قراء" عصر الصحابة شاملا "السلوك" مع "الفكر"، فهو كما يصفه ابن قيم الجوزية "691-751هـ 1292-1350م": "عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها..! "(2).
ونحن إذا شئنا تكثيفًا لمقولات الحركة السلفية، كما صاغها إمامها الأول أحمد بن حنبل، في مواجهة ما رآه بدعًا ومحدثات جعلت الإسلام غريبًا، وجدنا هذه المقولات والعقائد:
- الإيمان: قول وعمل.. وهو يزيد وينقص، تبعًا لنقاء العقيدة أو شوبها، وتبعا لزيادة العمل ونقصانه..
- والقرآن: كلام الله، وفقط.. فليس بمخلوق -كما تقول المعتزلة- وليس شريكا لله في قدمه، كما يلزم المعتزلة نفاة خلق القرآن..
- وصفات الله: التي وصف بها نفسه وأثبتها لذاته، نصفه بها ونثبتها لذاته، على النحو الذي وردت عليه في النصوص والمأثورات، لا نلجأ في بحثها إلى رأي أو تأويل..
- وعالم الغيب: لا ينبغي أن نخوض في بحث شيء منه، بل يجب أن نفوض حقيقة علمه إلى الله سبحانه.
- ورؤية أهل الجنة لله: عقيدة حق يجب أن يؤمن بها المؤمن، دونما تأويل أو تمثيل، كما وردت بها ظواهر النصوص..
 - وعلم الكلام: منكر منكر.. الاشتغال به منكر، وأخذ العقائد بأدلته منكر،.. بل ومجالسة أهله منكر، مهما كان دفاعهم به عن الإسلام!..
- والقضاء والقدر: لا يكتمل بدونهما الإيمان.. وهما من الله..
- والذنوب الكبائر لا تجعل المؤمن كافرا، ولا تخلده في النار, على عكس قول الخوارج في الأمرين.. وقول المعتزلة في الثاني..
- وخلافات الصحابة: لا يصح الخوض فيها، بل يجب العدول عن ذكرها، والوقوف عند محاسنهم وفضائلهم.
- وترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل: وفق ترتيبهم في تولي الخلافة..
- وطاعة ولي الأمر واجبة: حتى ولو كان فاجرا فاسقا، والثورة عليه منكر لما تجلبه من الأخطار وتعطله من مصالح الناس في حياتهم اليومية..
- والفرائض.. والمعاملات.. والجهاد: نؤديها ونمارسها على النحو الذي جاءت به النصوص في القرآن والسنة ... الخ ... الخ ... الخ.. الخ
وكما نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم، عن كتابة ما عدا القرآن الكريم، كي لا يختلط الحديث بآياته، وكما لم يعرف عصر البعثة والصحابة تأليف الكتب.. وأمام اشتغال "المتكلمين" بتأليف الكتب.. نهى أحمد بن حنبل عن الاشتغال بتأليف الكتب، ودعا للوقوف عند جمع الحديث والمأثورات.. لكن تلاميذه وأصحابه دونوا فتاواه وتعاليمه، معتبرين إياها جزءًا من المأثورات، ومن بين ما دونوه -وهو كثير جدًا- نجد الكثير من النصوص التي توجز عقيدته السلفية، من مثل قوله في "صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة" أنه:
من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله - وأقر بجميع ما جاءت به الأنبياء والرسل, وعقد قلبه على ما ظهرمن لسانه، ولم يشك في إيمانه, ولم يكفر أحدا من أهل التوحيد بذنب, وأرجأ ما غاب عنه من الأمور إلى الله، وفوض أمره إلى الله, ولم يقطع بالذنوب العصمة من عند الله, وعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، الخير والشر جميعا, ورجاء لمحسن أمة محمد، وتخوف على مسيئهم، ولم ينزل أحدا من أمة محمد الجنة بالإحسان، ولا النار بذنب اكتسبه، حتى يكون الله الذي ينزل خلقه حيث يشاء, وعرف حقل السلف الذين اختارهم الله بصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم، وقدم أبا بكر وعمر وعثمان، وعرف حق علي بن أبي طالب، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ... وترحم على جميع أصحاب محمد، صغيرهم وكبيرهم، وحدث بفضائلهم، وأمسك عما شجر بينهم, وصلاة العيدين والخوف والجمعة والجماعات مع كل أمير، بر أو فاجر, والمسح على الخفين في السفر والحضر، والتقصير في السفر, والقرآن كلام الله وتنزيله، وليس بمخلوق, والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص, والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا إلى آخر عصابة، يقاتلون الرجال، لا يضرهم جور جائر, والشراء والبيع حلال إلى يوم القيامة، على حكم الكتاب والسنة, والتكبير على الجنائز أربعا, والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا تخرج عليهم بسيفك، ولا تقاتل في فتنة، وتلزم بيتك, والإيمان بعذاب القبر, والإيمان بمنكر ونكير, والإيمان بالحوض والشفاعة, والإيمان بأن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى, وأن الموحدين يخرجون من النار، بعدما امتحنوا، كما جاءت في الأحاديث في هذه الأشياء عن النبي -صلى الله عليه وسلم، ولا تضرب لها الأمثال ... "(3).
على هذا النحو صاغ ابن حنبل عقائد الحركة السلفية، ودعا إلى إسلام العرب الأولين، إسلام المجتمع العربي البسيط، إسلام النصوص والمأثورات، وبهذه العقائد، ومن خلفه الجمهور صارع المتكلمين، والكلام والفلسفة والرأي والقياس والتأويل، وصمد للمحنة الشهيرة عندما امتحن إبان تدخل الدولة في عقائد العلماء حتى يقروا بخلق القرآن.. الأمر الذي رفع من قدره، لا عند أنصاره فحسب، بل وفي نظر الخصوم وعند جميع المؤرخين للفكر على اختلاف المدارس والمنطلقات..

السلفية تنتعش:
كانت الحضارة العربية الإسلامية التي تبلورت من فكر الإسلام، كما صاغه المتكلمون العقلانيون، بعد مزجه بالمواريث الحضارية الملائمة لشعوب البلاد التي فتحت، والتي أخذت تتعرب، كانت هذه الحضارة مرتكزة على قسمتين رئيسيتين:
العروبة: بالمعنى الحضاري، لا العرقي.. على النحو الذي بلغته في الصراع ضد قطبي التطرف: الشعوبي الرافض لكل ما هو عربي.. والعصبية التي أحيتها الدولة الأموية، والتي تغض من شأن كل ما ليس بعربي عرقيًا..
والعقلانية: التي تحول بها الإسلام من موقع الدفاع أمام المؤسسات الفكرية اللاهوتية غير الإسلامية والتيارات الفكرية المعادية لعقائده.. تحول بها من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم الذي هيأ له الانتشار دون إكراه ...
لكن هذه الحضارة، بما صحبها من ازدهار مادي ورفاهة في العيش، قد ابتعدت بالعرب عن خشونة الجند التي عرفوا بها في عصر الفتوحات، فلم يعودوا القوة العسكرية التي تعتمد عليها الدولة في الفتح أو الحفاظ على أكبر إمبراطورية عرفها ذلك التاريخ.. وكانت للموالي، ذوي الاتجاه الشعوبي، أحلام في السيطرة على الدولة، بل وتدميرها، صرفت الدولة كذلك عن أن تتخذ منهم الجند الذي يتكون منه جيشها الكبير.. ومن هنا كان سعي الخليفة العباسي المعتصم "218-227هـ 833-842م" إلى تكوين جيشه من الترك المماليك!.
ولقد ظن المعتصم أنه باتخاذه الجند الغريب، حضاريًا وقوميًا عن المجتمع، سيحصل على أداة القمع الأسهل قيادًا وانقيادًا، والتي لا أمل لها في السلطة، ولا مصلحة لها في الصراعات الناشبة من حولها، وأنه بذلك سيقيم القوة الضاربة التي يحافظ بها على التوازن بين العرب والموالي وغيرهما من العناصر والأجناس المتصارعة والمتنافسة.. ولكن تضخم هذه القوة العسكرية الجديدة سرعان ما جعلها مركز ثقل وقوة جذب ومركز توجيه.. فمدينة "سامراء" التي بنيت لها معسكرًا تابعًا للعاصمة بغداد تحولت من سنة 221هـ 836م إلى عاصمة للدولة، انتقلت إليها الخلافة، وأصبحت بغداد تابعة لها!.. وهؤلاء الجند الذين أرادهم المعتصم قوة بيد الخلافة، سرعان ما أصبحت الخلافة لعبة بيدهم، يولون من أطاع ويعزلون من عصى، بل ويسجنون ويقتلون من يتمرد على أوامر المماليك الأتراك؟!..
وبسبب من أن هذه المؤسسة الجديدة والكبيرة هي: جند وجيش.. كانت بعيدة عن الاهتمامات الحضارية.. وبسبب من غربتها عن العروبة، وتخلف قادتها بداهة عن نمط التفكير العقلي والفلسفي كانت أميل إلى "العامة"، وأمعن في عدائها للفكر الفلسفي والتيار العقلاني.. وهكذا انفتح الطريق بسيطرة الترك المماليك لذلك الانقلاب الفكري الذي حدث في الدولة العباسية عندما تولى الخلافة الخليفة المتوكل "232-247هـ 847-861م" فاستبدل السلفية بالمعتزلة، وحلت النصوص محل العقلانية والرأي والتأويل، وخرج المحدثون من محابسهم، وحل محلهم فيها علماء الكلام؟!.. وعندما أراد المتوكل ملء الفراغ الذي حدث بإقصاء المعتزلة عن جهاز الدولة استشار الإمام أحمد بن حنبل، فكتب له قائمة بالقضاة والمستشارين، وقدم قليل العلم من السلفية على علماء الكلام؛ لأن الأول سني ذو دين، أما الثاني فإنه -مع علمه- يضر الناس في الدين؟!.. وهكذا انتعشت الحركة السلفية، وساد نهجها النصوص في البحث والتفكير، فشهدت تلك الحقبة الزمنية الذيوع والانتشار لأعمال "أصحاب الحديث"، الذين هم أعلام الحركة السلفية، سواء منهم أولئك الذين تقدموا أحمد بن حنبل أو عاصروه أو أتوا من بعده.. وذلك من مثل:
- أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي "181هـ 797م".
- أبو سعيد يحيى بن فروخ التميمي القطان البصري "198هـ 816م".
- ابن أبي شيبة أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي "225هـ 840م".
- يحي بن أبي يحيى بكير بن عبد الرحمن بن يحيى الحنظلي "226هـ 841م".
- أبو عبد الله نعيم بن حماد المروزي "228هـ 843م".
- عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي "229هـ 844م".
- ابن راهويه أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم "238هـ 852م".
- البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل "256هـ 870م".
- أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم البغدادي "273هـ 886م".
- أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال "273هـ 886م".
- أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني "275هـ 888م".
- عبد الله بن مسلم بن قتيبة "213-276هـ 889م".
- أبو بكر أحمد بن عمرو بن النبل الشيباني البصري "277هـ 890م".
- الدارمي، عثمان بن سعيد "280هـ 893م".
- أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل "290هـ 903م".
- أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي "292هـ 905م".
- أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي "301هـ 913م".
- أبو العباس بن سريج "306هـ 918م".
- أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال "311هـ 923م".
- أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة "311هـ 923م".
- أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني العسال "349هـ 960م".
- أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني "360هـ 971م".
- أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان "369هـ 979م".
- عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري "387هـ 997م".
- أبو القاسم هبة الله بن الحسن الرازي اللالكائي "418هـ 1027م".
- أبو عمرو أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي الأندلسي "429هـ 1038م".
- أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي "434هـ 1043م".
- أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي "458هـ 1066م".
- ابن عبد البر أبو عمرو يوسف بن عبد الله بن محمد القرطبي "463هـ 1071م".
فلما كانت الدولة المملوكية، وطال الأمد على سيطرة الجند الغرباء حضاريا وقوميا على مقدرات الأمة، فشت البدع والمظالم، وغالبت عقائد السلفية حتى غلبتها، فكان أن عرفت الحركة السلفية صحوتها التي تمثلت في عدد من أئمتها كان من أبرزهم:
- أبو الوفاء ابن عقيل "431-513هـ 1040-1119م".
- شيخ الإسلام ابن تيمية "661-728هـ 1263-1328م".
- وابن القيم الجوزية "691-751هـ 1292-1350م".
ولقد واصلت الحركة السلفية، في صحوتها هذه، السير على منوال العقائد التي صاغها ابن حنبل ومعاصروه، ونهجت النهج النصوصي الذي بلوروه، مع إضافات عديدة طرحتها مواجهتهم لما استجد من بدع وخرافات، ومع مرونة ملحوظة في الموقف من القياس والتأويل، فرضتها التعقيدات التي طرأت على المجتمعات التي عاشوا فيها والأبنية الفكرية التي تصارعت في هذه المجتمعات..
لكن هذه الصحوة السلفية لم تنجح فيما نجح فيه أحمد بن حنبل.. فلم تصبح مذهبا للدولة، وإنما ظلت حركة معارضة يلقى أعلامها السجن والعنت والاضطهاد ...
فلما ورثت الدولة العثمانية دولة المماليك، وواصلت -على الجبهة الفكرية- جمودهم وما شاع في ظل سلطانهم من بدع وخرافات، الأمر الذي فتح في جدار الشرق الإسلامي العديد من الثغرات التي بدأ الغرب الاستعماري يسعى كي يتسلل من خلالها.. لما حدث ذلك، وأصبح الإسلام غريبا، مرة أخرى، كما كان في البدء، اتخذت حركة اليقظة والتجديد في عصر أمتنا الحديث سبيل الحركة السلفية تدفع بعقائدها البدع والخرافات عن فكر الإسلام، ساعية إلى إعادة قيادة الإسلام إلى العرب، بعد أن تأكد عجز الأتراك العثمانيين عن القيادة أمام الخطر الاستعماري الزاحف على بلاد الإسلام.. وهكذا عرفت الأمة أعلام الحركة السلفية الحديثة:
- محمد بن عبد الوهاب "1115-1206هـ 1700-1792م".
- ومحمد بن علي السنوسي "1202-1276هـ 1787-1859م".
- ومحمد أحمد المهدي "1260-1302هـ 1844-1885م".
- وجمال الدين الأفغاني "1254-1314هـ 1838-1897م".
- والإمام محمد عبده "1266-1323هـ 1849-1905م".
- وعبد الرحمن الكواكبي "1270-1320هـ 1854-1902م".
-والشيخ محمد رشيد رضا "1282-1354هـ 1865-1935م".
- وجمال الدين القاسمي "1283-1332هـ 1866-1914م".
- وعبد الحميد بن باديس "1307-1359هـ 1889-1940م".
وإذا كانت تلك هي مسيرة الحركة السلفية، وهؤلاء هم أبرز أعلامها، منذ أن تبلورت في العصر العباسي حتى عصرنا الحديث، فالأمر المؤكد أن هذه الحركة قد تميزت باتساق المنهج ووحدة الأصول الاعتقادية والفكرية في عصرها الأول، الذي تبلورت فيه، وفي عصرها الوسيط، الذي قادها فيه ابن تيمية وابن القيم، وإن يكن هؤلاء الأعلام قد اختلفوا في عدد من مسائل الفروع، وبمعنى أدق فهم قد اتفقوا في "الإلهيات"، واختلف بعضهم عن البعض الآخر في "الفقهيات".. وهم لم يجدوا في ذلك بأسا يخرجهم عن إطار الحركة الفكرية الواحدة، وكما يقول ابن القيم: "فإن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان.. وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، ولم يسوموها تأويلا.. ولا ضربوا لها أمثالا.." (4).
وهذا الاتفاق في الأصول الفكرية، وفي "المنهج النصوصي" قد اتسع لإضافات أفاض فيها أعلام سلفية العصر الوسيط استجابة لمشكلات العصر الذي عاشوا فيه.. فما طرأ على عقيدة التوحيد من بدع وخرافات وإضافات طمست نقاءها الذي تميز به الإسلام، وشابته بشوائب الشرك، خفيا كان أو جليا، جعل ابن تيمية يولي هذه القضية اهتماما كبيرا، حتى لقد رأى أن جماع الدين أمران: رفض الشرك، ورفض البدع التي طرأت على الدين.. وبعبارته "فإن جماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع.." (5).
وكذلك صنعت سلفية العصر الوسيط عندما واجهت مقولات متفلسفة الصوفية، من أصحاب وحدة الوجود، وهي قضية لم يكن فكرها قد طرح بالساحة الإسلامية بعد يوم أن تبلورت الحركة السلفية في عهد الطلائع والرواد..(6)
وإذا كان هذا هو حال سلفية العصر الوسيط مع سلفية العصر الأول: اتفاق في الأصول "الإلهيات"، واتحاد في "المنهج النصوصي" مع مرونة نسبية في استخدام القياس, مع اختلافات في الفروع "الفقيهات".. فإن هذا الحال قد اختلف مع سلفية العصر الحديث، التي تميزت في إطارها مدارس وتيارات، حافظ بعضها على "المنهج النصوصي" لسلفية القدماء، على حين رفع بعضها سلطان العقل وبراهينه على سلطان ظواهر النصوص، ولم يعد إسلامها هو إسلام المجتمعات البدوية، بل الإسلام الذي أرادت به بعث خير ما في الحضارة العربية الإسلامية العقلانية من قسمات، كما أرادت أن تقاوم به وبحضارته وعقلانيته ذلك الزحف الحضاري الذي أرادت به أوربا الاستعمارية سحق الشخصية العربية المسلمة قوميا وحضاريا..
المنهج النصوصي:
يقول ابن القيم عن الإمام أحمد بن حنبل: إنه "إمام أهل السنة على الإطلاق.. وأن أئمة الحديث والسنة، بعده، هم أتباعه إلى يوم القيامة  ".(7)  ولقد صاغ ابن حنبل منهج السلفية النصوصي، الذي يأخذ الإسلام، أصولا وفروعا، من النصوص والمأثورات، وذلك في مواجهة منهج متكلمي المعتزلة الذين كان للعقل والتأويل شأن عظيم في المنهج الذي أخذوا بواسطته الإسلام.. ولقد بلغ من أتباع ابن حنبل للنصوص والمأثورات، ولها وحدها، إلى الحد الذي جعله لا يرجح، بالرأي أو العقل أو القياس، مأثورة على أخرى عندما تتعدد وتتضارب وتتعارض المأثورات في الأمر الواحد والقضية الواحدة، فكان يفتي بالحكمين المختلفين؛ لأن لديه مأثورتين مختلفتين في الموضوع!..
وبعبارة ابن القيم: "فإن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عن ابن حنبل في المسألة روايتان!.."(8) .
أما أركان هذا المنهج النصوصي وأصوله، كما صاغها إمام السلفية فهي خمسة، يذكرها ابن القيم بهذا الترتيب:
"الأصل الأول: النصوص: فإذا وجد النص أفتى به، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه، كائنا من كان ... ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف..
الأصل الثاني: ما أفتى به الصحابة: فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى، لا يعرف له مخالف منهم فيها، لم يعدها إلى غيرها ... ولم يقدم عليها عملا ولا رأيا ولا قياسا..
الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول..
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه: وهو الذي رجحه "الحديث الضعيف"(9) على القياس ...
الأصل الخامس: القياس للضرورة: فإذا لم يكن عنده في المسألة نص، ولا قول الصحابة، أو واحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى القياس، فاستعمله للضرورة ... ".
هذه هي الأصول الخمسة لمنهج ابن حنبل، وهي تدور وتعتمد أولا وقبل كل شيء آخر، بل وأخيرا على النصوص والمأثورات، وتقف عند هذه النصوص والمأثورات، وتنكر استخدام الرأي أو القياس، فضلا عن العقلانية والتأويل، حتى في ترجيح نص على آخر من هذه النصوص.. لقد كان ابن حنبل يسمي "النص": "الإمام"!..
 وكما يقول ابن القيم، معقبا على أصول منهجه: فإنه "كان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، ولقد قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام!.."(10)
ويروي عنه ابنه عبد الله فيقول: "سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي".. وعندما سأله ابنه عبد الله "عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث، لا يعرف صحيحه من سيقمه، وأصحاب رأي.. فمن يستفتى ويسأل؟ قال: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي.." (11) .
وانطلاقا من هذا "المنهج النصوصي"، الذي لا يلتفت لغير المأثورات، رأت السلفية أن علماء أمة محمد -صلى الله عليه وسلم، منحصرون في النصوصيين، فهم قسمان:
 حفاظ الحديث، والفقهاء (12).. ورأت كذلك أن النصوص والمأثورات قد حوت كل شيء من أمور الدين والدنيا، وأن "الرسول قد بين كل شيء، وأنه قد توفي وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علما، وعلمهم كل شيء ... "(13).
والنصوص التي جعلها المنهج السلفي مصدرا وحيدا قد شملت إلى جانب الكتاب والسنة أقوال صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فهم "الذين حازوا قصبا في السباق، واستولوا على الأمد، فلا طمع لأحد من الأئمة بعدهم في اللحاق.. فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟ وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟.. لقد أيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالا (14) .. وكانت أفهامهم فوق أفهام جميع الأمة، وعلمهم بمقاصد نبيهم -صلى الله عليه وسلم، وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم  "(15).
وبسبب من القداسة التي أضفاها المنهج السلفي على النصوص امتدت هذه القداسة للعصر الذي قيلت فيه تلك النصوص، وشاع في الحركة السلفية تعظيم الماضي، وزاد ذلك التعظيم كلما ازداد هذا الماضي إيغالا في القدم واقترابا من عصر صحابة الرسول، عليه الصلاة والسلام ... فكان أن قرروا "أن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين، وهلم جرا. وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب ... فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين.." (16).
هكذا.. وعلى هذا النحو أضفت الحركة السلفية القداسة على النصوص والمأثورات، ووقف منهجها النصوصي عند هذه النصوص والمأثورات.. بل لقد وقف عند ظواهرها، عندما رفض أن يعمل فيها الرأي أو الاجتهاد أو التأويل أو القياس، حتى عندما كانت تتعارض وتتناقض نصوص هذه المأثورات ومضامينها!.
ولقد روى أعلام الحركة السلفية عن إمامهم أحمد بن حنبل الكثير الذي يدعم المنهج النصوصي ويزكيه، ورووا عنه، كذلك، شعرًا يقول فيه:
       دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ آثَـارُ نِعْمَ          الْمَطِيَّـةُ لِلْفَتَى الْأَخْبَـارُ
      لَا تُخْدَعَنَّ عَنِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ        فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ
      فَلَرُبَّمَا غَلَطَ الْفَتَى سُبُلَ الْهُدَى       وَالشَّمْسُ بَازِغَـةٌ لَهَا أَنْوَارُ
ورووا عن بعض أعلامهم أيضا:
      الْعِلْمُ قَـالَ اللَّهُ قَـالَ رَسُولُهُ      قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيهِ
     مَا الْعِلْمُ نَصْبَكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً     بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ فَقِيهِ
    كَلَّا وَلَا رَدُّ النُّـصُوصِ تَعَمُّـدًا    حَـذَرًا مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ
  حَاشَا النُّصُوصِ مِنَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ   مِنْ فِرْقَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْوِيهِ.(17)
 النص لا الرأي:
في أمور الدين -لا الدنيا- يكاد يتفق علماء الإسلام على أنه لا مجال "للرأي" أو الاجتهاد إذا ما وجدت النصوص، لكن من عدا السلفية يشترطون في هذه النصوص، وحتى يمتنع بوجودها الرأي والاجتهاد، يشترطون فيها أن تكون "قطعية الدلالة وقطعية الثبوت"، بمعنى أن تكون دلالتها واضحة وقاطعة، لا تقبل الاحتمالات، وأن يكون ثبوتها قطعيا، من حيث الرواية، والأكثرون يشترطون في النصوص الدالة على أمور اعتقادية أن تكون "متواترة"، ولا يقبلون الإلزام في هذا الباب بأحاديث الآحاد.. أما إذا لم تكن النصوص "قطعية الدلالة، قطعية الثبوت" فإنهم -غير السلفية- لا يرون وجودها مانعا من إعمال الرأي فيها أو الاجتهاد معها.. فالاجتهاد مع النصوص، في هذه الحالات، أمر وارد، بل ومقرر عند غير السلفيين من العلماء..
أما علماء السلفية فإنهم يرون في وجود النصوص والمأثورات مانعا من أعمال الرأي فيها، وذلك بصرف النظر عن قطعية دلالتها وقطعية ثبوتها.. ولقد سبق ورأينا إفتاء أحمد بن حنبل بوجوب التزام الحديث الضعيف، والامتناع عن "الرأي" عند وجوده، وإفتاءه بالحكمين المختلفين في الأمر الواحد عند وجود نصين متعارضين فيه، ذلك دون إعمال "الرأي" في الموازنة بينهما والترجيح لأحدهما على الآخر!..
والروايات في هذا الباب عن إمام السلفية كثيرة، فمحمد بن أحمد بن واصل المقري يقول: "سمعت أحمد بن حنبل -وقد سئل عن الرأي- فرفع صوته، وقال: لا يثبت شيء من الرأي، عليكم بالقرآن والحديث والآثار  ".(18)
أما عندما لا يوجد نص أصلا في الأمر يعرض للإنسان، وبعد أن يعرض الأمر على الكتاب، ثم السنة، ثم مأثورات الصحابة وأقضيتهم فلا يجد فيها نصا، فإن الأخذ "بالرأي" هنا يجوز، يتفق في ذلك السلفيون مع غيرهم من العلماء.. لكن علماء السلفية يعودون فيتقربون بهذا "الرأي" من "النصوص والمأثورات"، وذلك عندما يقدمون مرتبة "الرأي" "المروي" عن الذين شاهدوا التنزيل، أي: "رأي الصحابة"، ثم "الرأي المفسر للنصوص"، ثم "الرأي الذي تواطأت عليه الأمة، وتلقاه خلفهم عن سلفهم" على غيره.. ثم يعودون أيضا فيقررون أن هذا "الرأي"، في هذه الحالات، وبهذه الشروط، لا يفيد أكثر من "الظن"!، وأنه غير ملزم للآخرين، بل ومذموم!.. وبعبارة ابن القيم: فإن "الصحابة يخرجون الرأي علن العلم، ويذمونه، ويحذرون منه، وينهون عن الفتيا به، ومن اضطر منهم إليه أخبر أنه ظن، وأنه ليس على ثقة منه ومن الشيطان، وأن الله ورسوله بريء منه، وأن غايته أن يسوغ الأخذ به عند الضرورة، من غير لزوم لأتباعه والعمل به ... " (19).
ذلك موقفهم من "الرأي".. جاء متسقا مع منهجهم النصوصي، الذي ينحي العقل جانبا طالما وجدت النصوص والمأثورات.
النص لا القياس:
وفي الموقف من "القياس" نجد السلفية يقبلون جوانب يعدها غيرهم من القياس، لكنهم هم يخرجونها من إطاره.. كما نجدهم يحددون للمقبول منه شروطا تضيق منه نطاقه إلى حد كبير.. ثم هم ينظرون إليه نظرتهم إلى "الرأي" في حضرة النصوص!..
فإذا كان المراد بالقياس: "رد الشيء إلى نظيره" قبلوه، شريطة أن يكون التماثل بينهما تاما ومن كل الوجوه.. وبعبارة الإمام أحمد:
 فإن"القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا خطأ.." كما يقبلون رد الفروع إلى أصولها، وإن لم يعدوها -على خلاف الآخرين- قولا بالرأي(20)... أما إذا أريد بالقياس: "المعنى المستنبط من النص لتعدية الحكم من المنصوص عليه إلى غيره" فإنه عندهم غير مقبول.. وهذا الذي لم يقبلوه من أنواع القياس هو الميدان الأوسع والأساس للقياس عند غير السلفيين من العلماء!..
وهذا الموقف الذي وقفه السلفيون من القياس هو الآخر أثر من آثار منهجهم النصوصي.. فهم تبعا لهذا المنهج قد رأوا أن النصوص والمأثورات قد أحاطت بحكم جميع الحوادث، الماضي منها والحاضر والمستقبل، ومن ثم فلا حاجة للقياس، كما أنه لا حاجة للرأي؛ لأن النص إذا وجد -وهو في رأيهم موجود- فلا مكان للقياس.. ولقد عرض ابن القيم لموقف الفرق الإسلامية من إحاطة النصوص بحكم جميع الحوادث، وتحدث عن انقسام هذه الفرق في هذه القضية إلى معسكرات ثلاثة، أنكر أولها إحاطة النصوص بأحكام الحوادث، بل ولا بعشر معشارها.. ومن ثم قرر أن الحاجة إلى القياس تفوق الحاجة إلى النصوص.. وقابل هذا المعسكر القائلون ببطلان كل قياس، وتحريمه جليا كان هذا القياس أو خفيا.. وهم ذلك أنكروا وجود الحكمة أو العلة في التشريع.. أما المعسكر الثالث -وهم الأشعرية- فقد نفوا الحكمة والعلة والسببية، ومع ذلك أقروا بالقياس..
وبعد أن يعرض ابن القيم لآراء هذه الفرق الثلاث في القياس، يقرر أن للسلفية موقفا متميزا.. فهم يؤمنون بإحاطة النصوص بأحكام جميع الحوادث، ومع ذلك يقولون بالقياس "الصحيح"!.. وحتى يفهم جمعه بين هذين الأمرين، نقول: إنه يجيز استعمال القياس "الصحيح"، أي: الذي يكون الشبه فيه تاما بين المقيس والمقيس عليه، عندما تخفى دلالة النص على العالم.. فالنص موجود، لكن خفاء دلالته يبيح للعالم القياس، فإذا فهم النص واتضحت موافقة القياس له كان صحيحا؛ لأن العمدة هنا هو النص، وإن ظهر خلاف القياس مع النص كان فاسدا؛ لأن العمدة هو النص باستمرار.. وعبارته التي صاغ فيها مذهب السلفية هذا تقول: " ... والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو: أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بين الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان للكتاب والميزان، وقد تخفى دلالة النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقا للنص فيكون قياسا صحيحا، وقد يظهر مخالفا له فيكون فاسدا، وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته، ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته ... إننا نقول قولا ندين الله به، ونحمد الله على توفيقنا له، ونسأله الثبات عليه: إن الشريعة لم تحوجنا إلى قياس قط، وإن فيها غنية عن كل رأي وقياس وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها"..
بل لقد عقد في كتابه "أعلام الموقعين" فصولا ثلاثة، اعتبرها "من أهم فصول الكتاب"، وجعل عناوينها:
- "الفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس".
- "الفصل الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس، وبطلانها مع وجود النص".
- "الفصل الثالث: في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح"..(21)هذا هو موقف المنهج النصوصي للسلفية من القياس.

النص.. لا التأويل.. ولا الذوق.. ولا العقل.. ولا السببية:
واتساقا مع منهج السلفية النصوصي رفضوا "التأويل" -الذي هو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله (22). بل ذهبوا إلى أن التأويل هو الذي أفسد سائر الأديان، وحولها عن الاستقامة والسداد(23).
وكذلك رفضوا "ذوق" الصوفية و"وجدهم"، لأنها أمور ذاتية تختلف باختلاف أهواء صاحبها وما يحبه ويهواه، واستنكروا تقسيم الصوفية الأمور إلى "شريعة" لغيرهم، و"حقيقة" لهم، جعلوا سبيلها الرياضة والسلوك، غير المقيد بأمر الشارع ونهيه، اكتفاء "بالذوق والوجد".. لأن النصوص هي مصدر الأمر والنهي الإلهيين(24)..
كما رفضوا ما يسميه المتكلمون "حقائق عقلية" لم تشهد عليها السمعيات.. وعرضوا وهم يناقشون هذه القضية للموقف من العقل، فلم ينكروه؛ لأن السمعيات قد تحدثت عنه {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [تبارك: 10]، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4]، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج: 46].. ولكنهم أنكروا "العقل" كما تصوره الفلاسفة اليونان، ومن نحا نحوهم من علماء الإسلام وفلاسفته، وهو التصور الذي يجعل "العقل عندهم جوهرا قائما بنفسه"، وقالوا: إن "العقل" لا يعدو: "الغريزة التي جعلها الله في الإنسان يعقل بها".
وهذا الخلاف حول "العقل".. هل هو جوهر قائم بنفسه، أم مجرد "غريزة جعلها الله في الإنسان" ليس خلافا شكليا ولا هينا، ذلك أن القول بأنه جوهر قائم بنفسه يجعله أداة تدرك كنه الأشياء وإن لم ترد فيها نصوص ولا مأثورات، أما إذا كان مجرد غريزة جعلها الله في الإنسان يعقل بها فإن هذا التصور له يوحي بعدم استقلاله بالإدراك، كسبب أول لهذا الإدراك.. ويزكي هذا التفسير أن السلفية يحكمون بالضعف أو الوضع على "كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث! " (25).. فنحن هناء بإزاء موقف يغض من شأن العقل لحساب النصوص والسمعيات.. وهذا الموقف الذي تتخذه السلفية من العقل لا يوافقهم عليه الكثيرون من فرق الإسلام وعلمائه، هؤلاء العلماء الذين لم يمنعهم الخلاف حول تقديرهم لسلطان العقل بإزاء السمعيات، ولا اختلافهم في تعريف العقل من ترجيح تعريفه القائل: "إنه جوهر مجرد، يدرك الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة.." (26).
أما السببية.. فإن السلفية تتخذ منها موقفا وسطا -أو يبدو كذلك- ففي رأي ابن القيم أن الناس قد افترقوا بإزاء الأسباب والسببية إلى طرق ثلاث: فقوم أنكروا السببية على الإطلاق، وقالوا إن الله سبحانه هو السبب الأوحد لوجود المسببات..وقوم أثبتوا السببية، وقالوا بلزوم المسببات عن أسبابها لزوم المعلول عن العلة، دائما وأبدا، دون تخلف، وهؤلاء هم "الطبائعية والمنجمون والدهرية" ... والفريق الثالث، وهم السلفية، اعترفوا بالأسباب، وبفعلها في المسببات، لكن ليس على وجه الاستقلال بالفعل؛ لأن السبب عندهم يظل دائما وأبدا محتاجا، كي يفعل المسبب إلى سبب آخر، والسبب الذي يفعل دون حاجة إلى سبب غيره هو الله سبحانه (27) ... "فما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.. والله وإن كان قد خلق ما خلقه لأسباب، فهو خالق السبب والمقدر له، والسبب مفتقر إليه كافتقار المسبب، وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضر، بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه، وإلى ما يدفع عنه الضرر الذي يعارضه ويمانعه، وهو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه.." (28).
ومن يمعن النظر في هذا الموقف، الذي حسبه السلفية طريقا ثالثا، بين منكري السببية بإطلاق ومثبتيها بإطلاق، يجده شديد الشبه بموقف الذين ينكرونها؛ لأن الأسباب إذا لم تستقل بالفعل لم تكن فاعلة على التحقيق، ومن ثم لم تكن أسبابا للمسببات، والقول بأنها مستقلة بالفعل لا يتعارض مع أنها كغيرها مخلوقة لله، فمثلها كمثل القوانين والسنن في الكون، برأها الله لتفعل هي أفعالها دون تبديل.. لكنه المنهج النصوصي الذي اختارته السلفية، واتسقت مع معطياته وهي تنظر في مختلف المجالات..

النصوص وحدها مصدر الحلال والحرام:
ومن إيجابيات المنهج النصوصي للحركة السلفية تضييق دائرة "الحرام والحلال"، بقصرها على الأمور الدينية التي وردت فيها النصوص والمأثورات، وذلك على عكس الذين توسعوا في هذا الباب، متخذين الرأي والقياس، بل والشهوات، وسيلة لإحراج الناس والتضييق عليهم، عندما مدوا نطاق "الحل والحرمة" إلى ما وراء أمور الدين التي نص الشارع على حلها أو حرقها.. والسلفيون يميزون هنا بين حكم البشر وبين حكم الله ورسوله.. فحكم الله ورسوله، القائم في النصوص، هو الذي يندرج تحت "الحل والحرمة والوجوب والكراهة الدينية"، أما ما عدا ذلك من أحكام البشر في الأمور التي لم يرد فيها نص فإنها تدخل في باب النافع أو الضار، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يحسن وما لا يحسن.. ومن أدخلها في نطاق الحلال والحرام فقد ادعى لنفسه سلطان الله!.. وفي نص واضح وحاسم وشامل يقول ابن القيم: إنه "لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته، أما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده دينه فليس له أن يشهد على الله ورسوله به، ويغر الناس بذلك، ولا علم له بحكم الله ورسوله. قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، أو حرم الله كذا، فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا، ولم أحرمه. وثبت في صحيح مسلم (29) من حديث بريدة بن الحصيب أن رسول الله قال: " وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ أَمْ لَا " ... فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله.. ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب حكما حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: هذا ما أرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
 وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا اقتدى به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنا، فينبغي هذا، ولا نرى هذا.. ولا يقولون حلال ولا حرام، أما سمعت قول الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] الحلال: ما أحله الله ورسوله، والحرام: ما حرمه الله ورسوله..
 وسمعت شيخ الإسلام(30) يقول: حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر(31)، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا حكم الله، فقلت له: صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة؟! قل: هذا حكم زفر، ولا تقل: هذا حكم الله.."(32).
ولابن تيمية نص آخر يعلل فيه هذا الموقف السلفي، النابع من منهجهم النصوصي، يقول فيه: " ... والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه، إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه الله، بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دون الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله.."(33).
ونحن إذا قارنا هذا الموقف السلفي، الذي يميز بين حكم الله وحكم المجتهدين من الناس، بموقف أولئك الذين يجعلون فتاواهم، فيما لا نص فيه، قسما من أقسام الحلال والحرام، أي: دينا وشرعا، وجدنا الموقف السلفي يرفع الكثير من الحرج عن الناس عندما يترك ما لم يرد فيه نص بعيدا عن ميدان الحل والحرمة، على حين يضيق الآخرون على الناس بإدخالهم جميع أنواع المعاملات الإنسانية في إطار الحلال أو الحرام!..

تناقض:
لكننا إذا تتبعنا مدى التزام أعلام الحركة السلفية بمنهجهم النصوصي هذا، لم نعدم رؤية شيء من التناقض وقعوا فيه، وابتعدت آراؤهم في مواضعه عن الاتساق مع منهجهم النصوصي.. ذلك أن من آراء الحركة السلفية الجيدة والمتقدمة رأيها في "تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد" وهم يصفون هذا المبدأ بأنه "عظيم النفع جدا"، كما أنهم قد أسسوه على أن "الشريعة مبنية على مصالح العباد في المعاش والمعاد.. فمبناها وأساسها على الحكم، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.."(34).
وهم كذلك يؤسسون العلم الضروري للحاكم -القاضي- على نوعين من الفقه: فقه الواقع الذي يعيشه الناس.. وفقه النصوص الواردة في المشكلات التي يرفعها إليه المتحاكمون.. ويجعلون القضاء: مطابقة الواجب من النصوص على أحكام العرف والواقع والحوادث.. بل ويرون أن معرفة الواقع والتفقه فيه هو المنطلق إلى معرفة حكم الله ورسوله في هذا الواقع "فههنا نوعان من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس ... ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع(35).

فالمفتي والحاكم -القاضي- والعالم: من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله ... " (36).
ولما كان هذا الواقع متغيرا متطورا كانت الفتاوى والأحكام متغيرة متطورة هي الأخرى؛ لأن تغير الواقع يستلزم تغير المصالح، وهي التي عليها مبنى الشريعة الإسلامية ... ولقد ضرب أعلام السلفية العديد من الأمثلة على أمور تغيرت فيها الفتاوى والأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة واختلاف المصالح..
- فالقرآن والسنة قررا الحد على السارق ... لكن عام الرمادة جعل عمر بن الخطاب "يرى" إسقاط القطع عن السارق.
- والقرآن والسنة النبوية -القولية والعملية- جعلت الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة، وجاء الإجماع فصدق على هذه النصوص من أبي بكر وسنتين من خلافة عمر ... ثم "رأى" عمر بن الخطاب أن يغير الفتوى والحكم فجعله ثلاثا ... أي: إننا بإزاء حكم "دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم، ولم يأت بعده إجماع يبطله، ولكن "رأي" أمير المؤمنين عمر أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، "فرأى" من "المصلحة" عقوبتهم بإمضائه عليهم  ".(37)
- الإماء وأمهات الأولاد: كن يبعن على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم.. فهذا البيع مقرر كسنة.. فلما كانت خلافة عمر بن الخطاب "منع بيع أمهات الأولاد.. وكان ذلك "رأيا" منه رآه للأمة ... " (38).
... الخ ... الخ ... الخ ... الخ ... الخ ...
 فنحن إذن بإزاء أحكام قررتها نصوص من القرآن والسنة معا، أو من السنة وحدها، أو من القرآن والسنة والقياس والإجماع، سواء في العهد النبوي أو عهد الخلفاء.. ثم تغير الواقع، فتغيرت المصالح، فجاء "الرأي" فغير هذه الأحكام.. هكذا حكى أعلام السلفية، من أحمد بن حنبل إلى ابن القيم.. وعلى أساس هذه الوقائع قرروا أن "الفتاوى والأحكام تتغير وتختلف بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد" ... بل لقد جعل ابن القيم من هذه العبارة عنوان فصل عقده لهذا الموضوع، ووصفه بأنه "فصل عظيم النفع جدا ... " (39).. وهنا.. وعند هذا الموقع من التأمل والنظر، نسأل:
- ألا يتناقض هذا الذي سلم به السلفيون، بل قرروه، وعقدوا له الفصول في آثارهم الفكرية، ألا يتناقض مع منهجهم النصوصي، الذي يحرم "الرأي" عندما يوجد النص، حتى ولو كان ذلك النص حديثا ضعيفا؟!.
إننا نرى التناقض واضحا وجليا ... ذلك أن القول بتطور الواقع وتغيره, وهي حقيقة ... وبتغير المصالح تبعا لتغير الواقع وتطوره, وهي حقيقة ثانية ... ثم القبول بتغير الأحكام والفتاوى "بالرأي"، بسبب هذه المتغيرات، رغم وجود النصوص والمأثورات.. إن القول بذلك إنما يهز ثبات العموم والإطلاق اللذين قررهما المنهج السلفي لسلطان النصوص والمأثورات!..
وحتى إذا سلمنا بأن هذه الأمثلة، التي غير فيها "الرأي" أحكاما تقررت من قبل بالنصوص، هي من "السياسات الجزئية"، وليست من "الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة" فإن العموم والإطلاق اللذين يضفيهما المنهج السلفي على النصوص سيهتز ثباتهما بالتأكيد.. ولعل ابن القيم قد شعر بهذا التناقض فقال: "والمقصود أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة. وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة، وأضعافها، هي تأويل القرآن والسنة. ولكن هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة؟ أو من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فتتقيد بها زمانا ومكانا؟ ... إن أضعاف أضعاف هذه المسائل مما جرى العمل فيه على العرف والعادة.."(40) ونحن نتفق معه في أن كل ما ارتبط بالمصالح فالتغيير فيه، بواسطة "الرأي"، بل وبواسطة "التأويل كما قال هو: أمر وارد ومقرر، رغم وجود النصوص والمأثورات.. وبعد ذلك لنا أن نسأل: إذا كان هذا التغيير في الأحكام قد امتد إلى الحدود -حد السرقة، وحد الخمر- فهل هما من السياسات الجزئية؟.. وما هي إذن الشرائع الكلية؟.. وفي رأينا أن الأوفق هو النأي "بالعقائد والثوابت" عن التغير تبعا للزمان والمكان، وما عداها، مما يرتبط بالمصالح من الشرائع والسياسات، فإن "للرأي" فيه مجالا، تبعا للواقع والمصلحة، حتى مع وجود النصوص والمأثورات.. فكما يجب التمييز بين شرائع وسياسات ترتبط بالمصالح، وتتغير بتغيرها، وأخرى ثابتة لا تتغير، كذلك يجب التمييز بين نصوص "العقائد والثوابت" ونصوص المتغيرات!..
في الفكر السياسي:
في التراث السياسي القديم للحركة السلفية تبرز صفحات الفكر السياسي التي بقيت لنا من آثار ابن تيمية وابن القيم ... وفي هذه الصفحات تنعكس التطورات والتغيرات التي طرأت على واقع المجتمع، تنعكس في اتساع مضمون مصطلح "الشرع والشريعة" عند أعلام سلفية العصر الوسيط..
ففي عصر الوحي والبعثة كان مصطلح "الشرع" يعني الكتاب والسنة، أي: الشرع المنزل، وكانت أحكام هذا الشرع قد نمت وتكاملت كاستجابة لما طرحته حياة ذلك العصر من حوادث ومشكلات ... لكن الحوادث لا تتناهى، وتطور الحياة واختلاف الأماكن يطرح منها الجديد والمزيد، الأمر الذي جعل الفقهاء والعلماء والمجتهدين، ومنهم الولاة والحكام، "يشرعون" أحكاما لما استجد ويستجد من الأحداث، فنشأ إلى جوار "الشرع المنزل": "الشرع المتأول".. وهذا "الشرع المتأول"، الشامل لاجتهادات المجتهدين وفقه الفقهاء وتشريعات الحكام والولاة، والذي يمكن أن نسميه "تراث الأمة القانوني والسياسي" قد أصبح مما يندرج تحت مصطلح "الشرع والشريعة" وإن لم تكن له قدسية الدين وإلزام "الشرع المنزل" لجميع المؤمنين.. فهنا نمو في "الشريعة والشرع"، ولكنه نمو يتكون منه "بناء قانوني" ذو "طبيعة مدنية"، وليس دينية، إذا استخدمنا هذا المصطلح الحديث.. وابن تيمية وابن القيم يدافعان عن اندراج هذا "البناء القانوني - السياسي" تحت مصطلح "الشرع والشريعة"، ويقرران تجاوز مضمون هذا المصطلح لما نص عليه القرآن والحديث: فلقد "صار لفظ "الشرع" غير مطابق لمعناه الأصلي، بل لفظ "الشرع" في هذه الأزمنة ثلاثة أقسام:
الشرع المنزل والشرع المتأول والشرع المبدل.
- الشرع المنزل: وهو الكتاب والسنة، واتباعه واجب.
- والشرع المتأول: الذي هو حكم الحاكم.. أو قول أئمة الفقه ... واتباع أحدهم ليس واجبا على جميع الأمة، كما هو حال الشرع المنزل..
- والشرع المبدل: الذي هو افتراء على الشريعة وإضافة إليها ما ليس منها ... "(41).
ولقد كان بعض المعاصرين لأعلام السلفية هؤلاء يقف بهم جمودهم عند حدود المضامين التي كانت لمصطلح "الشريعة" في عصر الوحي والبعثة، فسموا "تراث الأمة القانوني" الذي نما استجابة لمحدثات الأمور وتطورات الحياة "سياسة" ورفضوا إدراجها تحت مصطلح "الشريعة"، ولقد أدى تضييقهم هذا لنطاق مضمون "الشريعة" إلى جعل الولاة والحكام يقننون لأحداث الحياة ومشكلاتها وفق أهوائهم، الأمر الذي قطع الصلاة بين "السياسة" و"الشريعة"!..
لكن أعلام السلفية اتخذوا لأنفسهم موقفا عبقريا بالغ العمق في هذا الموضوع، فقرروا أن مقاصد الشريعة: هي إقامة العدل، وتحقيق المصالح ودفع المضار في المجتمع، ومن ثم فإن كان ما يحقق هذه المقاصد فهو "شرع وشريعة"، أو جزء من "الشرع والشريعة"، حتى ولو لم ينزل به الوحي ولم ينطق به الرسول ... وهكذا جعلوا المعيار في "الشريعة" هو "المصلحة وتحقيق العدل"، وليس ما كان "شرعا شريعة" في عصر النبوة والتنزيل.. ويزيد من روعة هذا الموقف المتقدم أن أصحابه هم السلفيون أصحاب المنهج النصوصي، يميل أصحابه -بداهة- إلى المحافظة والجمود!.
ونحن لا نستطيع أن ندع الحديث عن هذه الصفحة من صفحات الفكر السياسي للحركة السلفية دون أن نورد واحدا من نصوص ابن القيم في هذا الموضوع، فهو يقول تحت عنوان: "اختلاف العلماء في العمل بالسياسة":
" ... وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل، وبين بعض الفقهاء "من الشافعية":
فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام..
فقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع.
فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: "لا سياسة إلا ما وافق الشرع"، أي: لم يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع، فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل(42)   ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق علي، رضي الله عنه، الزنادقة في الأخاديد، عندما قال:
     لَمَّا رأيتُ الأمرَ أمراً منكراً     أجَّجتُ ناري ودَعَوتُ قُنْبرَا.(43)
ونفي عمر بن الخطاب لنصر بن حجاج ... " من المدينة عندما خشي منه فتنة نساء المجاهدين المقاتلين!..
وبعد أن يورد ابن القيم نص حوار ابن عقيل مع الفقيه الشافعي، وهو الحوار الذي يقرر فيه ابن عقيل أن "السياسة" التي لا تخالف ما نطق به الشرع، والتي تستجيب "للمصلحة" هي شرع، اتسع لها وبها مضمون مصطلح "الشريعة".. بعد أن يورد ذلك يعقب فيقول:
" ... وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل، وعطلوها، مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى ولاة الأمر ذلك، وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا لهم قوانين سياسية تنتظم بها مصالح العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل، وفساد عريض، وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه. وأفرط فيه طائفة أخرى، فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله. وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به ورسوله، فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين ما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها، التي هي المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن نجد طريقا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها. وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟.. إننا لا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلا فهي من الشرع.. وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى: شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى: شريعة، وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى: عقل، ونقل. وكل ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل، كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح، وفاسد، فالصحيح قسم من أقسام الشريعة، لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها.. ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المحاسن والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من أحاط علما بمقاصدها، ووضعها موضعها، وحسن فهمه فيها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة، تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.. وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها ... "(44).
هكذا "قنن" أعلام السلفية تطور الفكر السياسي والقانوني، فربطوا بين العادل منه وبين الشريعة، واضعين أنظارهم على مقاصد الشريعة، جاعلين هذه المقاصد هي المعيار لما يقبل وما يرفض من القوانين والأحكام التي توضع والتي وضعت لما استجد بعد عصر التنزيل والبعثة من محدثات الأمور..
وإذا كانت هذه النظرة الفكرية الثاقبة، التي طورت ونمت مضمون "الشرع والشريعة" ليشمل "السياسة"، هي واحدة من ثمار الموقف المبدئي للسلفية من ضرورة "فقه الواقع" قبل "فقه الشرع"، حتى يمكن للولاة والعلماء والحكام الانطلاق من "الواقع" إلى "الشرع" في محاولة للتوفيق
والمطابقة بينهما، التي هي في الحقيقية لب سياسة أمور الناس ... فإن هذا الاهتمام "بالواقع" قد عكس في مجالات أخرى مواقف مترددة، انعكس عليها سوء الواقع الظالم الذي عاشه أعلام سلفية العصور الوسطى في ظل مظالم دولة المماليك.
ففي آثارهم الفكرية نجد تقرير حقيقة هامة تقول: إن الولاة هم "وكلاء العباد على نفوسهم" وأنهم "بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الوكالة" وهذه الكلمات تقرر ما نسميه الآن: "الأمة مصدر السلطات، والحكومة نائبة عن الشعب" ... لكن نفس هذه الآثار الفكرية تتحدث عن أن "الولاة: ولاة الله على عباده! "(45) بل وتردد المأثورة التي تقول: "إن السلطان ظل الله في الأرض! " (46) رغم براءة الشريعة منها لفظا ومضمونا..
وعلى حين تقرر هذه الآثار الفكرية أن شكل الدولة وأقسام ولاياتها واختصاص ولاة هذه الولايات، هي أمور "مدنية"، يحكمها تحقيق المصلحة للأمة، ولا دخل للشرع فيها؛ لأن "عموم الولايات وخصوصها، وما يستفيده المتولي بالولاية: يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع..".. تعود ذات الآثار الفكرية لتتحدث عن أن ولايات الدولة هي "في الأصل ولايات دينية ومناصب شرعية".. وحتى لو كان المراد من وصفها هذا هو الحث على العدل فيها طلبا للمثوبة الأخروية "فمن عدل في ولاية من هذه الولايات، وساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأبرار العادلين، ومن حكم فيها بجهل وظلم، فهو من الظالمين المعتدين: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار 12، 13]... " (47) ... حتى لو كان هذا هو القصد، فلقد أسهم ذلك في إضفاء الطابع الديني على جهاز للدولة ابتعدت به مظالمه بعدا شديدا عن سلوكيات الدين!..
والموقف من الدولة، التي بلغت في الظلم مبلغا عظيما، اتسم هو الآخر بالتردد بين "الواقع الظالم الذي أصبح عادة مألوفة" وبين "مثل الشرع التي بلغت في تقديس العدل شأوا يأسر العقول والقلوب".. فأقدم أعلام سلفية العصر الوسيط على "نقد الدولة ومعارضتها"، لكنهم أحجموا عن "نزع الشرعية عن جهازها الظالم" فدعوا لطاعته، ونهوا عن الثورة ضده، وارتكبوا في سبيل ذلك تخريجات للنصوص الآمرة بالنهي عن المنكر باليد والفعل، بزعم أن تغير الواقع يدعونا أن نقف عند أدنى مراتب هذا النهي وأضعفها!.. ولم يميز بين "الواقع الجديد" المحقق "للمصلحة"، والذي لا بد من تجاوز النص القديم لأجله، وبين "الواقع الجديد" المظالم والمحقق "للمفسدة"، وهو ما لا يجوز أن نطوع النصوص كي نضفي عليه شرعية الدين وقداسته!
لقد قرر أعلام سلفية العصر الوسيط أن جماع السياسة أمران لا بد للولاة من أدائهما، وهما: "أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة".
وقرروا كذلك أن ولاة الأموال ليسوا ملاكا لما في أيديهم من أموال الأمة، بل هم نواب ووكلاء، ومن ثم فليس لهم أن يتصرفوا فيها تصرف المالكين ...
وقرروا أيضا أن طاعة ولاة الأمور مشروطة بأن لا تكون أوامرهم معصية، إذ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (48).
لكن موقف هؤلاء الأعلام، المعادي للثورة، كطريق لإزالة الجور الذي اعترفوا بممارسة الدولة له، والمعاصر التي جأروا هم بالشكوى من شيوعها، ومارسوا النقد لها والمعارضة لأهلها.. إن هذا الموقف المعادي للثورة هو أثر من آثار تحول "الواقع الظالم" إلى "أمر معتاد" أصبح يمارس سلطانا على الفكر، حتى دعا هؤلاء الأعلام إلى تغيير الفتوى -من مشروعية الثورة إلى التحذير منها- تبعا لتغير هذا الواقع! ... ولربما كانت تجارب الأمة في الثورات الفاشلة، عبر تاريخها الطويل، وما جرته من محن وما أسالت من دماء وما عطلت من مصالح.. الخ.. الخ.. ربما كانت هذه التجارب جزءا من الخلفية التي أفرزت هذا الموقف المعادي للثورة عند أعلام سلفية العصر الوسيط.. (49)
ويلفت النظر أن الحركة السلفية كلها تتفق في هذا الموقف المعادي للثورة! ... ففي "مقالات الإسلاميين" يقول الأشعري: إن أهل الحديث قد اتفقوا على أن "السيف -أي: استخدام القوة في التغيير- باطل، ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية، وأن الإمام قد يكون عادلا، ويكون غير عادل، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقا، وأنكروا الخروج على السلطان، ولم يروه! " (50).
والقاضي أبو يعلى الفراء "380-458هـ 990-1066م" -وهو من أعلام السلفية- يذكر كلمات إمام السلفية أحمد بن حنبل، التي رواها عنه صاحبه عبدوس بن مالك القطان، والتي يدعو فيها إلى الاعتراف بسلطة الحاكم الذي يستبد بالسلطة، ويغلب الناس على حكومتهم، بصرف النظر عن حظه من العدل ونصيبه من شروط الإمامة كما قررها الفقهاء!.. يقول ابن حنبل: " ... ومن غلب بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه، برًا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين" (51) .
 فهو هنا لا يبيح للناس استخدم السيف لمقاومة الوالي الفاجر الذي استبد بحكومتهم، حتى ولو كان استخدامهم للسيف ردا على استخدامه له في الاستبداد بما لا يستحق من السلطة والسلطان!..
ويروي كذلك أبو يعلى عن الإمام أحمد أن تنازع عدد من المستبدين على السلطة لا يعفي الناس من ضرورة الاعتراف بأحدهم، إذ الواجب اتباع "من غلب"؟!(52).
وابن تيمية -الذي عاش في ظل دولة "سلاطين" المماليك -رغم شجاعته في الحق، وجرأته التي أوصلته إلى السجن حتى مات فيه, يردد في آثاره الفكرية تلك المأثورة التي تبرأ منها الشريعة، والتي تقول: "إن السلطان ظل الله في الأرض"، ويحبذ الطاعة للإمام الجائر؛ لأن ضررها أقل بما لا يقارن من أضرار العصيان "فستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان(53)". كما يقول: "إن المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج -الثورة- على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام الأدنى"(54).
أما ابن القيم -الذي عرفت عنه الشجاعة في الحق، والذي شارك شيخه ابن تيمية السجن والاضطهاد- فإنه يجتهد كي يعلل ويبرر هذا الموقف السلفي المعادي للثورة، والذي لم تجتمع عليه فرقة إسلامية سوى فرقة السلفية، فيتحدث عن السبب في قول السلفية بعدم استخدام السيف -القوة- في إنكار المنكر الذي شاع في المجتمع الإسلامي، رغم وجود النصوص القاطعة بوجوب ذلك، في القرآن والسنة، ويقول إن هذه القضية مما تغير فيها الواقع بتغير الزمان، ومن ثم فلا بد من تغير الفتوى فيها! ... ثم يجتهد لإيراد نصوص من السنة تؤيد عداء السلفية للثورة، فيذكر حديث الصحابة الذين استأذنوا الرسول في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وكيف رد عليهم الرسول بقوله: " لاَ مَا أَقَامُوا الصَّلاَةَ ".(55)
 ونحن نتساءل: ألا يوحي استئذان الصحابة بقتال من يؤخر الصلاة من الأمراء، وتعليق الرسول عدم قتالهم على إقامتهم لها، أنهم إذا لم يقيموها يجوز قتالهم.. ومن باب أولى إذا أشاعوا في الأمة الظلم والجور والفساد، وهي ذنوب يتعدى ضررها ليشمل الأمة، وليست كالصلاة حقا خاصا من حقوق الله؟!.
إن ابن القيم يرى "إن الإنكار على الملوك والولاة، بالخروج عليهم، هو أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر ... ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على المنكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه ... ولهذا لم يأذن الرسول في الإنكار على الأمراء باليد، لم يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه ... ".. ولا يدع ابن القيم مجالا للشك في أن داعيه إلى هذا الموقف هو "الواقع الظالم" الذي عاش فيه، وشبح الانتكاسات التي مرت بها ثورات المسلمين ضد مظالم حكامهم على امتداد التاريخ، فهو يقول: "إن الواجب شيء والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو منعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعطلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبطلت أكثر الحقوق، ... فأمام الضرورة والغلبة بالباطل ليس إلا الاصطبار، والقيام بأضعف مراتب الإنكار؟."(56)
فالدعوة واضحة للصبر على المنكر، والاكتفاء "بأضعف مراتب الإنكار" وهي الإنكار بالقلب، الذي قال عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنه "أضعف الإيمان".
ولنا أن نتساءل: عندما يعم الفسوق، وينتشر الظلم، ويسود الجور، ويصبح الفساق هم الأئمة والحكام والولاة -بل والمفتون- في مجتمع الإسلام ... فأية حقوق ومصالح ونظم للخلق ندعوهم أن يدفعوا ثمنا للحفاظ عليها الخضوع لدولة الفساق والصبر على أوان الفسوق؟!.. وألا يكون الأوفق والأكثر اتساقا مع روح الإسلام أن ندعو إلى رفض الجور والظلم ومقاومة الجائرين، مع اشتراط الأعداد والاستعداد كي تكون مقاومة ولاة الجور مجدية، ونجاحها قريب المنال، على نحو ما قرر المعتزلة في هذا الموضوع؟
ولنا أيضا أن نتساءل: هل يتسق مع المنهج النصوصي للسلفية الاستناد، في رفض الثورة، إلى نهي الرسول -صلى الله عليه وسلم، عن قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة, مجرد تأخير؟.. في الوقت الذي نهمل فيه حديثا نبويا واضحا وحاسما يدعو المسلمين إلى اللجوء إلى السيف والاعتصام به إذا ما واجههم الشر في المجتمع الذي يعيشون فيه؟.. لقد سأل الصحابي حذيفة بن اليمان رسول الله:
أَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ شَرٌّ، كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ؟
 فَقَالَ: نَعَمْ.
 قَالَ: قُلْتُ:فَمَا الْعِصْمَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟
 قَالَ: السَّيْفُ. (57)
ويزيد من أهمية تساؤلنا عن سر إغفال السلفية -أصحاب المنهج النصوصي- لهذا النص، أن أئمة السلفية قد رووه في مسانيدهم.. فلقد رواه أحمد بن حنبل -وهو إمام السلفية- ورواه أبو داود- وهو من أعلام السلفيين! ...
 لكنه "الواقع الظالم" -كما قلنا- قد ترك بصماته على فكر هؤلاء الأعلام, منذ تبلور حركتهم وحتى صحوتها في العصر الوسيط.
لقد بدأت الحركة السلفية في العصر العباسي كتيار فكري محافظ، تحصن أعلامه بظواهر النصوص والمأثورات، عندما علا سلطان العقل، وأصبح فكر المعتزلة العقلاني أهم قسمة تميزت بها الحياة الفكرية يومئذ في الإمبراطورية العربية الإسلامية.. ذلك أن السلفية قد رأت الأخطار محدقة بصورة الإسلام الأولى، التي ناسبت مدارك الإنسان العربي في عصر البعثة، يوم كانت بساطة البيئة وفقر المجتمع يجعل النصوص والمأثورات كافية في الهداية والرشاد واليقين.. بل لقد رأت السلفية أن صورة الإسلام تلك قد أصبحت غريبة في مجتمع أخذ يتفلسف، ويقدم عقائد الإسلام على نحو ما يقدم الفلاسفة النظريات، فنشأت وتبلورت لتعيد الإسلام إلى صورته الأولى، وبساطته الأصلية، رغم ما طرأ على المجتمع من تغيرات وتطورات، ورغم ما فعلته المواريث الحضارية لشعوب البلاد المفتوحة، وما بلورته من بناء حضاري جديد جاء ثمرة لامتزاجها بفكر الإسلام.
ولقد استجابت السلفية لبساطة الفكر عند العامة وفقر الفكر المركب والفلسفي عند الجمهور، وكذلك استجاب لفكرها وأعلامها العامة والجمهور.. فسارت تصارع الفلسفة وتناقض المتكلمين، معتمدة على النصوص والمأثورات.. واستمرت هكذا في عصر نشأتها الأولى، وكذلك في عصرها الوسيط ... وأيضا من خلال حركة محمد بن عبد الوهاب في العصر الحديث ، تلك الحركة التي نهضت في شبه الجزيرة العربية، بمهمة تجديد الدين وتنقية عقائده من البدع والخرافات التي تراكمت عليه طوال عصر المماليك والعثمانيين..
وبقيت باقية من أبناء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مصر , نزحوا إليها إبَّان غارة إبراهيم ابن محمد علي والي مصر حينئذ , كان لهم فضل السبق في نشر الدعوة السلفية , ووضع بذورها في مصر , نذكرهم في مقال لاحق إن شاء الله تعالى .


(1) أخرجه مسلم 1/90
(2) أعلام الموقعين 1/137 .
(3) "عقائد السلف" ص11، 12  جمعها ونشرها: د. علي سامي النشار، د. عمار الطالبي. طبعة الإسكندرية سنة 1971م.
(4) أعلام الموقعين. 1 /49.
(5) ابن تيمية "العبودية" رسالة منشورة ضمن "مجموعة التوحيد" ص645. طبعة دار الفكر - بيروت - مصورة عن طبعة المكتبة السلفية بالمدينة المنورة
(6) انظر المصدر السابق "رسالة العبودية" ص560، 561- ورسالة "الواسطة بين الحق والخلق" ص148.
(7) أعلام الموقعين. 1 /28.
(8) المصدر السابق. 1 /29.
(9) الحديث الضعيف -عند ابن حنبل- كما يقول ابن القيم -هو المقابل للصحيح، وقسم من أقسام الحديث الحسن، فهو ليس الضعيف بالمعنى الذي تعارف عليه المتأخرون من علماء الحديث.
(10) أعلام الموقعين. 1 /29-33.
(11) المصدر السابق. 1 /76، 77.
(12) المصدر السابق. 1 /8، 9.
(13) المصدر السابق 4 /375.
(14) المصدر السابق 1 /5، 6.
(15) ابن القيم "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" ص178. تحقيق: د. محمد جميل غازي. طبعة القاهرة سنة 1977م.
(16) أعلام الموقعين. 4 /118.
(17) المصدر السابق. 1/79
(18) الطرق الحكمية ص400
(19) أعلام الموقعين. 1 /79، 82، 83، 60، 61.
(20) المصدر السابق. 1 /269، 53.
(21) المصدر السابق. 1 /333-337، 267، 268، 350.
(22) انظر "التعريفات" للشريف الجرجاني. طبعة القاهرة سنة 1938م.
(23) أعلام الموقعين. 4 /250.
(24) ابن تيمية "رسالة العبودية" ص567، 568 - ضمن "مجموعة التوحيد".
(25) ابن تيمية: "العبودية" ص568 و"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ص776، 737 ضمن "مجموعة التوحيد".
(26) "التعريفات" للجرجاني.
(27) أعلام الموقعين. 2/298، 299.
(28) ابن تيمية "الواسطة بين الحق والخلق" ص148، 149. و"العبودية" ص605، 606 ضمن "مجموعة التوحيد".
(29) (1731) (3)
(30) أي: ابن تيمية شيخ ابن القيم.
(31) زفر بن الهذيل "110-158هـ 728-775م" فقيه كبير، من أصحاب أبي حنيفة.
(32) أعلام الموقعين. 4 /175، 176. 1 /39.
(33) "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" ص180. طبعة القاهرة سنة 1971م.
(34) أعلام الموقعين. 3 /3.
(35) الطرق الحكمية ص5، 130
(36) أعلام الموقعين. 1 /87، 88.
(37) المصدر السابق. 3 /10-12، 30، 35، 36، 41. والطرق الحكمية. ص23.
(38) الطرق الحكمية. ص24.
(39) أعلام الموقعين.3 /3.
(40) الطرق الحكمية. ص25، 26، 33.
(41) ابن القيم "الطرق الحكمية" ص145، 146. وابن تيمية "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ص771، 772، 774، 775.
(42) أي: التمثيل -"التشويه"- بمن توقع عليهم العقوبات.
(43) قنبر: غلام علي بن أبي طالب.
(44) أعلام الموقعين. 4 /372، 373، 375. و"الطرق الحكمية" ص17-19، 5.
(45) السياسة الشرعية. ص24.
(46) المصدر السابق. ص175. وقال الألباني : منكر . انظر : الضعيفة (1661) .
(47) الطرق الحكمية. ص348.
(48) السياسة الشرعية. ص15، 16، 43.
(49) ولعل هذا ما دفع  - بما يسمى سلفية الإسكندرية – من تغير موقفهم من ثورة 25 يناير. 
(50) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. 2 /451، 452. طبعة استانبول سنة 1929م.
(51) "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى. ص4. طبعة القاهرة سنة 1938م.
(52) المصدر السابق. ص6.
(53) السياسة الشرعية. ص185.
(54) منهاج السنة. 2 /87. طبعة القاهرة الأولى.
(55) أخرجه أحمد 3/28 و3/29
(56) أعلام الموقعين جـ3 ص4، جـ4 ص220.
(57) أخرجه أحمد 5/386 و"أبو داود"44 42

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.