الحروب الصليبية

الاثنين، 28 نوفمبر 2011

الشريعة والدين والدولة المدنية.................بقلم محمد أشرف الشاذلي

تسيطر على عقولنا للأسف بعض الأفكار والمقولات المكررة، وتشكل الآراء المسبقة والدراسات التاريخية المغلوطة الموجهة   تصوراً خاطئاً في أذهاننا، يمنعننا من رؤية وفهم واقعنا، والتحليل الصحيح للنتائج التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، ووضع خارطة طريق واضحة المعالم ومفهومة للخروج مما نحن فيه، وإزالة الغشاوة التي تمنعنا من التبصر في الحقائق وفهمها، عن وعينا وإدراكنا.  


بعض المفكرين يضعون الشريعة الإسلامية مقابل الدولة المدنية، مكررين مقولة أن تطبيق الشريعة سيقوض الدولة المدنية، بلا شك أن هذا المفهوم خاطئ تماماً، ولكن شيوعه ربما يعود إلى أفكار متوارثة أصبحت تُعامل كأنها مسلمات ومعتقدات راسخة لا يمكن الطعن فيها، ولكن بلا شك أن هناك طائفة أخرى من المروجين لتلك المقولة ليسوا حسني النية، بل يدركون حقيقة العلاقة بين الشريعة وبناء الدولة وتحقيق النهضة. وهؤلاء بحربهم للشريعة لا يريدون لنا الخير والتقدم. ولإلقاء الضوء على هذه العلاقة يجب علينا دراسة التاريخ وربطه بالحاضر والمستقبل لمعرفة حقيقة تلك الأطروحة وحقيقة المروجين لها، وهل هناك إمكانية حقيقية لبناء دولة في مصر أو العالم العربي بدون الشريعة الإسلامية؟ وأقصد هنا بالدولة، الدولة الصحيحة العافية، فبلا شك استمر وجود الدول في مصر والعالم العربي، ولكنها دولاً مريضة على الأقل منذ بداية الأفول الطويل للدولة العثمانية في القرن السابع عشر. وكل المحاولات التي بُذلت للإصلاح ومحاولات بناء دول قوية في هذه المنطقة باءت بالفشل حتى يومنا هذا؟ وطوال هذا التاريخ القريب لم يقدم أحد تحليلاً صحيحاً يصيب الحقيقة حول أسباب السقوط والعجز عن النهوض. ولكن رأينا محاولات للنهضة تقوم على افتراضات ومسلمات يعتقد أصحابها في البداية أنها صحيحة وقادرة على النهوض بدولة صحيحة ولكنها سرعان ما تكشف عن عجزها وفشلها.

الأمر الثاني الذي يغفله الكثير من الناس هو حقيقة الشريعة نفسها، فالكثيرون يجهل ما هي الشريعة، والبعض يسيطر على العقول بنقل صورة مغلوطة بان الشريعة هي عبارة عن الحدود، حد الزنا، حد السرقة، حد القتل وحد الحرابة. وباختزالهم الشريعة بهذا الاختزال المغلوط يشعلون حربهم ضد الشريعة التي يتهمونها بأخطر إتهام وهي أنها لا تصلح للتطبيق، هذا الاتهام يحرمنا من التمتع بفضائل الشريعة. الشريعة قبل كل شيء أساس للتحرير الحقيقي للبشرية، وليس للمسلمين فقط، من يظن أن الاستسلام لسلطان الله يحرم الإنسان من حريته ومن الإبداع، واهم تماماً، من يرفض الاستسلام لسلطان الله لا يحصل على حريته ولكنه يقع فريسة لسلطان قوى أخرى، قوى الشهوات والعباد والطواغيت والدنيا التي تسحقه، وسلطان الناس على الناس والدول على الدول والضغوط السياسية، والاقتصادية، باختصار من يرفض الاستسلام لسلطان الله تسحقه الدنيا ولا يجد من يرحمه، الشريعة حماية للبشرية، أنظروا ماذا فعلت الكنيسة الكاثوليكية بأوروبا في القرون الوسطى، وماذا فعلت بهم العلمانية والنظم المادية، ألم تسحق أوروبا في حروب إبادة وغيرها من أشكال التسلط، هل من هو في حمى العفة، كمن هو خاضع لإدمان للشهوات والشذوذ، لا يستطيع أن يفيق منها، هل من يتحكم في نفسه ويمتنع عن المشروبات المسكرة والمخدرات كمن هو خاضع للإدمان بها. إدراك دور الله والدين والشريعة في حياتنا هو إدراك للنور الذي ينير القلوب ويحررها من عبودية الدنيا التي تسحق من يعبدها، إلى عبودية الله الذي يكرم ويحرر ويطلق روح من يعبده في نعيم الإيمان الذي لا يبخل به ولا يمنعه عن كل من يطلبه ويسعى إليه. الإنسان يعتقد أن التحرر المادي الجسدي هو الذي سيجلب له السعادة، ولكن الحقيقة أن التحرر الروحي وارتباطه بالجهة الوحيدة التي يمكن أن تحرره وتكرمه وتسمع شكواه وترحم ضعفه، فهو الذي سيجلب له السعادة الحقيقية.

الشريعة ليست مجرد أحوال شخصية وحدود، الشريعة منهج كامل يؤسس لقيام نهضة حقيقية، وبناء الإنسان، الله عز وجل يخلق الإنسان مرتين، مرة عندما يخرجه إلى الحياة المادية من بطن أمه، ومرة أخرى عندما يخرجه من أسر الحياة المادية إلى الحياة الروحية النورانية التي تبني إنسانيته وخُلُقُه وتربطه بخالقِه الذي يهديه ويحميه وينير له الطريق، الشريعة أيضاً تبني الأسرة والمجتمع وتحرر المجتمع من قهر الحياة المادية والنظم العلمانية والاقتصادية التي تسحق الإنسان وتحوله إما إلى ركام لا قيمة له، أنظروا إلى الإنسان في الكيانات الشيوعية ما قيمته وكيف كانت الدولة تستعبده، وانظروا إلى الإنسان الغربي، الذي نظن أنه متحرر ولكنه في الحقيقة خاضع لمجموعة كبيرة من العناصر القاهرة رغم تظاهره بغير ذلك. في أحد الحلقات التليفزيونية الشهيرة، اكتشفت الأم أن ابنها المراهق يرافق زميل له في المدرسة، في البداية أبدت الأم بعض الضيق، ولكن في النهاية اقتنعت بحق ابنها في اختيار الميول الجنسية التي يريدها وانتهت الحلقة بمكالمة تليفونية مع صديقها تحكي له الأمر وتضحك لأنها اكتشفت أنها كانت مخطئة في مقاومة رغبة ابنها الطبيعية. في حلقة أخرى شهيرة تجتمع الأسرة على مائدة الطعام الأم وأبنائها، خال الأبناء شخصية وقورة جدة والعائلة محترمة جداً وجميعهم يتسمون بالخلق الطيب. أحد الأبناء يحضر لخاله صديق جديد ليعرفه عليه، لأن الصديق القديم هجر الخال، التعارف يتم في جو عائلي ظريف وطبيعي جداً، حالة أخرى في الهند، الديانة الهندوسية تعتبر أن الإله له زوجة، تلك الزوجة هي القوة الفعالة للإله، وبما أن الإله لا يمكن الوصول إليه، إلا من خلال زوجته. يقوم الكهنة باختيار زوجة للإله من الطبقات الفقيرة والمنبوذة، أهل الفتاة يفرحون بهذا الاختيار الذي سيخرجهم من وضعهم الاجتماعي المتدني، في احتفال مهيب في المعبد يقوم الكاهن بفض غشاء البكارة لزوجة الإله، في حضور جمع من الرجال الأغنياء، الذين يقع الاختيار على واحد منهم ليكون الراعي لزوجة الإله Patron، والذي يكون له ساعات وأيام مميزة، ثم يترك زوجة الإله لغيره من الرجال باقي الأيام والساعات ليحظوا بشرف الاتصال بزوجة بالإله من خلال مضاجعتها. ولكن عندما يذهب الشباب والجمال عن زوجة الإله، تُلقى في الشارع، ولا تجد من ينفق عليها حتى أهلها الذين باعوها لا يريدونها، وحتى بيوت الدعارة الدرجة الثالثة ترفضها، وينتهي بها الأمر إلى التسول، أحد المنظمات الحقوقية عارضت هذه الظاهرة وطالبت بإلغائها، لما فيها من ظلم لهؤلاء النساء، ولكن الرفض جاء من جماعات أوروبية وغربية أخرى، تدعي التدين والتصوف والدفاع عن الهندوسية والبوذية والحرية الدينية وغيرها من الدعاوى، وللأسف كان صوتهم أقوى، هذا هو حال الإنسان في الحضارة الغربية الزائفة. هذا هو حال الإنسان عندما يرفض الحماية الإلهية، يُفرض عليه الظلم والقهر تحت شعارات كاذبة براقة. 

الشريعة حماية للإنسان ورفع لإنسانيته، ولهذا تلقى حرباً شرسة من الشياطين، شياطين الإنس والجن، الذين يرفضون تحرير الإنسان من سلطانهم؟

كلما زاد فهم وإدراك الناس للشريعة والتزامهم بها، كلما زادت قوة الفرد والأسرة والجماعة وزادت قدرتهم على بناء النهضة.     

الشريعة في التاريخ

الشريعة بشكل عام في التاريخ البشري، تُعتبر هي أساس قيام الدول، فشريعة حمورابي (1792-1750 ق.م) تُعتبر أساس قيام الحضارة البابلية، واليونانيون يعتبرون أن التشريعات التي وضعها سولون (638-558 ق.م) هي أساس قيام الحضارة الديمقراطية الأثينية. ولا نستطيع أن ننكر أن التوراة وشريعة سيدنا موسى عليه السلام كانت السبب في قيام دولة بني إسرائيل، التي بلغت أوج قوتها في عهد سيدنا داود وسيدنا سليمان. ومن هنا ارتبط التشريع الصحيح بنهضة الأمم وإخراجها من الحالة الفوضوية السديمية الهمجية، ويظهر هذا بجلاء في مجلس الشيوخ الروماني التي كانت تشريعاته سبباً في نقل روما من مجرد مدينة صغيرة إلى إمبراطورية عظيمة تحكم العالم.

فضل الشريعة الإسلامية على اوروبا

حتى أوروبا لم تتمكن من النهضة إلا بفضل الشريعة الإسلامية، أوروبا كانت في القرون الوسطى تعيش بلا قانون ولا شريعة ولم تكن تعلم معني القانون والفقه واستنباط القوانين، كانت الكنيسة والإقطاعيون يستعبدون الناس الذين كانوا عبيد أرض ليست لهم أية حقوق، وكان الإقطاعيون يحكمون بين الناس باعتبارهم ملكاً لهم وبما يرونه حتى أن انتقال قن (عبد أرض) من مكان إلى مكان يجب أن يكون بتصريح من مالكه وسيده وحتى الزواج بتصريح من السيد وفي بعض الأحيان كان من حق السيد الاستمتاع بالزوجة في الليلة الأولى من الزفاف، الكنيسة حكمت الناس بمفهوم الخطيئة الأولى، حيث طورت مفهوماً بأن البشر جميعهم يتحملون وزر خطيئة آدم عليه السلام، وأن الخلاص من هذا الذنب لا يمكن إلا من خلال الكنيسة، التي تحولت إلى خزنة العذاب، الذين كلفهم الله بالإشراف على تنفيذ العقوبة، وهكذا فرضت الكنيسة سلطانها وعاش الأوروبيون في هذا الجحيم لتخليص ذنب الخطيئة الأولى. هكذا كانت تعيش أوروبا حتى قامت الحروب الصليبية، واحتك الأوروبيون بالمسلمين العرب وعرفوا معنى الحضارة والشريعة، فتعلموا في جامعات أسبانيا الفقه والقانون والشريعة وعرفوا معني سيادة السلطة القضائية وحقوق وحرية الإنسان التي كانوا يفتقدونها جميعاً.

الدين

هناك اختلاف في مدلول كلمة الدين، ولكن سنتناول هنا فقط مسألة: هل يمكن الحياة بدون دين أو هل هناك حالة بشرية توصف بلا-دينية، وهل الأديان كلها يمكن وضعها في سلة واحدة مقابل اللادين. هناك ديانات وثنية كثيرة وهناك دين توحيدي واحد هو الإسلام بشرائع مختلفة، نزلت على أنبياء متعددين خلال فترات تاريخية مختلفة ولكن جوهر التوحيد واحد.

واختصاراً لهذه المسألة التي يمكن أن تتناولها أبحاث موسعة، سآخذ بتعريف الدين في القرآن لأنه هو التعريف الأصح والأشمل: وهو أنه اعتقاد راسخ في القلوب يؤثر على الفرد ونظرته للحياة وأخلاقياته وتعامله مع الآخرين ومع المحيط الذي يعيش فيه، إذاً الدين بهذا المفهوم الشامل حقيقة ضرورية في حياة كل الناس، حتى أن الإلحاد نفسه بهذا المفهوم يُعتبر دين (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 9: 33) فإذاً ليس هناك حالة بشرية يمكن أن تُسمى لا-دينية.

العالم الغربي يهدف الآن ليس إلى محو الدين من حياة الناس، ولكن السيطرة على الدين وتوظيفه لمصالحه، يهدف العالم الغربي إلى دمج الأديان كلها والتوفيق بينها وإشباعها بالأخلاقيات والقيم الغربية. نفس ما قام به لإسكندر الأكبر بناء على وصايا أستاذه أرسطو، عندما دمج كل الديانات الموجودة في عصره، الإغريقية والفينيقية والمصرية والهندوسية والبوذية في ديانة واحدة وثقافة هلينية واحدة. والسياسة الأخرى التي اتبعها الإسكندر ويتبعها العالم الغربي اليوم، هي اجتذاب النخبة المتأثرة بالثقافة الهلينية أو الغربية في الشعوب بمختلف أنواع الوسائل، وتوظيفهم في نشر مفاهيمهم بين العوام والسيطرة عليهم، وتكوين نخب حاكمة للشعوب من بينهم. تلك السياسة هي التي مكنت الإغريق من فتح العالم والسيطرة على الشعوب، وذلك بنشر ودعم تلك الثقافة الهلينية، بإتباع سياسة الغزو والهيمنة الفكرية. اليوم يبذل الغرب الجهود لغرس قيمه في كل ثقافات الشعوب ودياناتها، ودمج الديانات سوياً، بالدعوة إلى مفاهيم باطنية وصوفية موحدة، تخرج الدين عن مفهومه الحقيقي، وتجعله أداة لتشكيل نخب مهيمنة ومرتبطة فيما بينها، وموظفة لتحقيق المصالح الغربية. تجمع تلك العقائد الباطنية التي تعيد تفسير الديانات بمفهوم باطني صوفي موحد، بين كل الأديان الهندوسية، والبوذية، المسيحية، اليهودية، الشيعة (خليط بين الإسلام والزردشتية، والمسيحية واليهودية والفلسفات الإغريقية)، الصوفية، البهائية، المسلمون.  وبلا شك أن بالرغم من استجابة بعض المسلمين لتلك الدعاوى، إلا أن هناك مجموعة مازالت تقاوم، تلك المجموعة هي التي يتركز عليها الضغط الإعلامي والفكري والسياسي والاقتصادي، حتى تستسلم للإرادة الغربية. 

الدولة المدنية والدولة الدينية

مفهوم الدولة المدنية مقابل الدولة الدينية، مفهوم يشوبه الكثير من اللبس، تلك الأوصاف نُقلت إلينا من العالم الغربي مشوهة وذلك لتشوه الاعتقادات الغربية نفسها، فالدولة الإغريقية التي تُعتبر من الروافد الأساسية للحضارة الغربية كانت في الأصل دولة دينية تتبع التقسيم الهند-أوروبي (الطبقة الحاكمة، طبقة الكهنة، كبقة التجار والعوام) فالدولة بهذا المفهوم لا يمكن قيامها إلا بالخضوع لهذا التصنيف، فالملك يستمد شرعيته بإدعائه الانتساب إلى سلالة إلهية، وطبقة الكهنوت تؤكد تلك الشرعية وتؤكد أيضاً تميزها ألحصري بالوساطة بين الشعب و بين الآلهة وبذلك تتحقق هيمنة الملك على الشعب وإخضاعه، هذا المفهوم مازال هو أساس قيام الحضارات الغربية حتى اليوم مع بعض التنوع.

ولكن اللبس الذي ينتقل إلينا من فكرة الدولة المدنية مقابل الدينية يأتي بالأساس من العناصر التالية:

مفهوم التدين في الحضارات الوثنية والعلاقة بين البشر والآلهة

يختلف مفهوم التدين في الديانات الوثنية عن الديانات التوحيدية، فالديانات الوثنية نشأت من السحرة والعرافين في القبائل والذين كانوا يعبدون الجن ويسخرونهم في نفس الوقت، فأقاموا لهم التماثيل والمعابد وقدموا لهم القرابين، وأصبحوا كهنة لهم، ثم تحولت المجتمعات القبلية إلى مجتمعات أكبر تضم قبائل متعددة، فتجمعت آلهة القبائل لتكون عائلة إلهية  Pantheonوصُنفت الآلهة حسب قوة القبيلة التي تعبدها. الديانات الوثنية ليست ديانات أخلاقية، ومفهوم الآلهة فيها أنها كائنات متحررة تعيش في رفاهية وبدون أي نوع من القيود الأخلاقية، لذلك نجد صورهم وتماثيلهم عارية والأساطير التي تدور حولهم تمتلئ بالفجور والقتل والشذوذ والظلم، الآلهة أصبحت آلهة فقط لأنها تمتلك القوة وليس الأخلاق. وتفرض الآلهة عبادتها على الإنسان لأنها انتزعت منه القوة وحرمته من المعرفة، لان المعرفة سبب من أسباب تحقيق القوة. فالإنسان في حالة عبادة وصراع مع الآلهة لاستعادة المعرفة والقوة والإلوهية التي يستحقها لأنه هو المسيطر الحقيقي على العالم. العلاقة بين البشر والآلهة علاقة تعاقدية، الإنسان يقدم القرابين مقابل المحصول الجيد والرزق الوفير والانتصار على الأعداء، إذا امتنعت الآلهة عن تحقيق الطلبات يمتنع الإنسان عن العبادة وتقديم القرابين. نُسجت الأساطير حول الآلهة لتعتز كل أمة بنفسها وتنشئ دوافع وحوافز لتحفيز شعبها على القتال والاعتداء على الغير والاستيلاء على ثرواتهم واسترقاقهم.

عندما انتصر بيريكليس Pericles(495- 429 ق.م.) في الحروب التي شنها من أجل تحويل أثينا إلى إمبراطورية، نهب الأموال من الدويلات اليونانية الأضعف، وأخضعها لسلطانه وكلف النحات فيدياس Phidiasبنحت أجمل تماثيل للآلهة وشيد المعابد الضخمة لها. وعندما فشل المشروع وهُزمت أثينا من إسبارطة ظهرت الفلسفة كنوع من التمرد على الآلهة التي غدرت بأثينا وامتنعت عن نصرها وعلى النظام السياسي الكهنوتي القديم، فالفلسفة التي يُظن أنها أتت بالتحرر البشري من الآلهة والتخلص من الدين وكانت الممهدة للدولة المدنية، لم تكن في الحقيقة إلا تمرداً على الممارسة الدينية ونظام الحكم الديني القديم، ولكن هذا التمرد يجري في نفس الإطار الديني الوثني ومفاهيمه، فكل الفلسفات حتى الآن تعتمد على نفس الأساطير الدينية الإغريقية القديمة، على الإلياذة والأوديسا وأساطير الآلهة ونفس أفكار الصراع بين البشر والآلهة و استرداد ألوهية البشر المسلوبة. نفس الأفكار الوثنية أُعيدت في شكل جديد من أجل استعادة العلو البشري الذي ظنوا أن سبب ضياعه هو التمسك بالنظام القديم. فأساس كل المفاهيم اللادينية المدنية التي يتفاخر بها الغرب وأتباعه ما هي إلا إعادة إنتاج للمفاهيم الوثنية الدينية القديمة.

   أسباب معاداة الشريعة الإلهية الإسلامية  

إذا كانت الشريعة بهذه الأهمية وضرورة من ضرورات النهضة البشرية، فلماذا هذا العداء للشريعة، الحقيقة أن العداء للشريعة يعود إلى بدايات لا يمكن إهمالها أو التغاضي عنها إذا أردنا فهم حقيقة المسألة.

البداية تعود إلى انحرافات بني إسرائيل قبل التهجير البابلي وتأثرهم بوثنية الأمم التي تعيش حولهم، وبعدهم عن الشريعة الصحيحة التي كان يتمسك بها الأنبياء والصالحون، في ذلك الزمن فرض الله عقوبات تشريعية على بني إسرائيل بسبب فسادهم، فارتبطت الشريعة عند بعضهم بالعقوبة وكأن الشريعة بشكل عام هي نوع من العقوبة وليست سبباً من أسباب نهوض وتطور الأمم.  وبعد زوال دولة بني إسرائيل بسبب فسادهم وتهجيرهم إلى بابل، ثم انتصار الفرس على بابل، أعاد قورش بني إسرائيل إلى فلسطين ولكن لتكوين دولة عميلة للفرس، وكان من الشروط توفيق الدين ليتماشى مع عمالتهم للفرس وتوفير شرعية لنظام الحكم الملكي-الكهنوتي المُستحدث، المشابه للكهنوت الفارسي الزردشتي.

مع ظهور المسيح عليه السلام، ظهرت الدعوة إلى العودة إلى الشريعة الصحيحة، ولكن رجال الملك والكهنوت اليهودي والرومان قاوموا تلك الدعوة بكل شراسة لأنهم رأوا فيها زوال ملكهم، وإمتيازاتهم. ومن هنا بعد رفع المسيح عليه السلام تركزت الحرب على الشريعة التي رأت روما فيها سبباً في قيام دولة قوية مناهضة لها. فتحالف اليهود الذين كفروا بعيسى عليه السلام مع الرومان لمحاربة الشريعة، كانت خططهم ترتكز بعد فشل الاضطهاد المباشر، على اختراق الدين وإفساده، فظهرت الكتابات المقدسة المحرفة التي تحارب الشريعة بشكل أساسي.

 محاربة اليهود وروما للشريعة كان بسبب خوفهم من تأثيرها المباشر على تقوية دولة الحواريين المسلمة الوليدة في القدس والتي كانت تتوسع بسرعة وقوة كبيرة في العالم الروماني، فأرادوا إضعاف الدولة بمحاربة الشريعة بالإضافة إلى عزل الداخلين في الدين في جميع أنحاء روما عن إتباع دولة القدس، وذلك بخضوعهم للقانون الروماني والجزية الرومانية التي كان منعها أيضاً سيؤثر بالسلب على قوة روما بلا شك، وأرادوا ضمان عدم خروج المؤمنين المنتشرين والمتزايدين في أرجاء الدولة على الحكومة الرومانية، بالإضافة إلى إحداث فرقة بين المؤمنين الذين دخلوا في الدين أفواجاً في كل أنحاء الدولة الرومانية، ومنع وصول مساعداتهم إلى دولة القدس من أجل حصارها وإضعافها.

ولكن الحواريون انتبهوا للأمر وقاوموه وتصدوا لمحاولات التضليل والاختراق، حتى فشلت تماماً، ونجد ذلك واضحاً في العهد الجديد بقوة، في أعمال الرسل، في رسائل بولس، خاصة الرسالة إلى أهل غلاطية، وإلى أهل رومية، ونهاية أعمال الرسل، حيث نجد بولس يضطر إلى العودة إلى القدس والتوبة وإعلان الخضوع للحواريين وخليفتهم يعقوب الصديق وإنكار محاربته للناموس (الشريعة). نجد ذلك أيضاً بشكل أكثر وضوحاً في أعمال أخرى خفية (أبوكريقية) مثل كتابي التعرف Recognitions، والمواعظ Homiliesالمنسوبة لإكليمندس الرمي.

لكن اليهود والرومان لم ييأسوا وواصلوا الحرب فشنت روما حرباً شعواء على دولة القدس المسلمة استمرت سبعين عاماً من 65 إلى 135 ب.م. وشملت منطقة الشرق الأوسط كلها (مصر، ليبيا وشمال أفريقيا، تركيا، العراق، الشام) في تلك الحروب التي كانت أشد من الحروب العالمية في عصرنا الحديث أُبيد فيها الملايين من المؤمنين، حتى أن ليبيا يُقال أنها خلت من سكانها عام 114 ب.م.

بعد انتهاء الحرب عام 135 على يد هادريان وزوال دولة القدس المسلمة، اتخذت الحرب على الشريعة شكلاً جديداً. فقد قامت روما من أجل السيطرة على الدين والمؤمنين به بإنشاء جهاز كهنوتي رقابي استخباراتي. على غرار الجهاز الكهنوتي اليهودي الذي أسسته فارس. هؤلاء الأفراد الذين وجدوا أنفسهم أمام فرصة كبيرة لتحقيق الثروة والسلطة قاموا بتفصيل شريعة لتحقيق مصالحهم ومحاربة الشريعة الحقيقية، فقاموا بعمل إضافات للعقيدة تخولهم حقوق إلهية تشريعية متميزة، مزورين كتابات نسبوها إلى الحواريين مثل الدساتير الرسولية Apostolic constitutionsوالتي يُجمع الباحثون على أنها مزورة، وبالرغم من ذلك مازالت تُعتبر أصل من أصول التشريع المسيحي. وهكذا نجد أن الكتبة والكهنة والفاريسيين الذين لعنهم المسيح في الإنجيل بسبب اعتداءاتهم على الشريعة، يعودون ويسيطرون بنفس أكاذيبهم واعتداءاتهم على الشعب المسيحي ويعطلون الشريعة الإلهية الصحيحة، مدعين بحقوق إلهية تخولهم تلك المكانة وذلك الدور.

هؤلاء الأنبياء الكذبة الذين حذر منهم المسيح حرفوا كل الكتب، وكتموا الحق، واستعبدوا الناس وأضلوهم وعاشت أوروبا تحتهم أحلك فترات التاريخ سواداً، ولم يتحقق لهم النجاة منهم إلا بسبب الشريعة الإسلامية التي أنارت عليهم من الأندلس.

ولكن الأوروبيون اليوم يكررون نفس الجريمة التي ارتكبها الرومان مععيسى عليه السلام والحواريين، يحاولون منع الشريعة الإسلامية بشتى الطرق لأنهم يعرفون قوتها وتأثيرها، يعرفون أن الشريعة هي الطريق إلى الحضارة والقوة ولكنها حضارة إنسانية رفيعة تقوم على علاقة صحيحة مع الله الخالق الحقيقي للكون والمنعم الحقيقي على البشرية بالشريعة ليس فقط على المؤمنين به ولكن أيضاً على غيرهم من غير المؤمنين. العالم الأوروبي  يدرك ويفهم الإسلام أكثر من إدراكنا ومعرفتنا لأنهم يعرفونه منذ زمن عيسى عليه السلام ويحاربونه يكتمونه. 

الشريعة الإلهية والشرائع البشرية

إذا كنا قد اتفقنا على أن الشريعة والتشريع ضرورة أساسية في نهضة الأمم وبناء الدول، فيبقى علينا أن نعرف ما الفرق بين التشريع الإلهي والتشريع البشري. هل يمكن أن نستعيد المجد الذي كانت تعيشه الأمة الإسلامية عندما كانت تطبق الشريعة، عندما كانت تطبق العدالة في القضاء، والزكاة ومنع الربا وغيرها من التشريعات، لم يكن هناك ظلم وكان الناس يعيشون في رخاء وأمان ليس فقط المؤمنين ولكن كل الناس. الشريعة ليست ضد أحد ولكنها السبيل الوحيد إلى تحرير الإنسان من عبادة الناس، ثم تتركه ليختار ما يريد إن شاء يؤمن وإن شاء يكفر، وتضمن له في الحالتين حياة آمنة له ولأسرته ولأمواله، والحساب بعد ذلك على الله، ما لم يعتدي على المجتمع ويحاربه، فيقع تحت طائلة القانون.

الدولة المدنية الخالصة هل لها وجود؟

هل هناك وجود فعلي للدولة المدنية، النظام العلماني القائم اليوم في أوروبا هو نظام ديني تماماً، فهو خليط بين النظام الديني الوثني الإغريقي بتناقضاته، مع النظام الفلسفي القائم على النظام الوثني الإغريقي، تلك الفلسفات العديدة المبنية على الإلياذة الوثنية والتي لا يمكن بالتالي أبداً  القول أنها لادينية، مختلطة بالمسيحية التي هي أيضاً خليط من الرسالة التوحيدية والفلسفات الإغريقية (الأفلاطونية والفيثاغورثية والأرسطوليسية) والديانات الباطنية الإغريقية والرومانية القديمة، كل هذا الخليط المعقد بتناقضاته، هو ما يمثل اليوم النظام العالمي الجديد الذي تريد أوروبا تطبيقه، لا يمكن فصله أبداً عن الدين، لا يوجد في التاريخ ذلك المفهوم المثالي الخيالي للدولة المدنية التي ينادي بها بعض المفكرين العرب أو المصريين. ما ينادون به ما هو إلا تعبير عن خضوعهم للحضارة الغربية بكل تناقضاتها وخدمة مصالحها وهو الأمر الذي سبقنا إلى الوقوع فيه بني إسرائيل عندما أُعجبوا بالحضارات الإغريقية والفارسية فحاربوا شريعتهم إرضاءاً لهم فزالت دولتهم ولم يحققوا شيء.

حتى مفهوم الدولة الأفلاطونية المثالية (اليوتوبيا) متأثر بالعقائد الإغريقية وبفكرة التميز الطبقي الإلهي المبني على المعرفة، . Gnosticismفي الدولة الأفلاطونية يتميز الحكماء والفلاسفة بمعرفتهم بالغيبيات والفلسفات والفيزيقيات، والميتافيزيقيات عن سائر الناس، ويستتبع ذلك، نشؤ حقوق لهم في الحكم والسيطرة على العوام، الدولة الأفلاطونية تقسم الناس إلى طبقتين حكماء وعوام، وتعتمد على شيوع النساء والمال كسبيل للاستقرار الاجتماعي، نفس هذا المفهوم يسود في الدول الغربية والحركات الماسونية التي تقسم الناس إلى نخبة وعوام وتجعل للنخبة حق إلهي في تحديد مصائر العوام وحكمهم. وهكذا لم تستطع أوروبا الابتعاد عن النموذج الوثني الهند-أوروبي المتوارث والمغروس في قلوبهم. وكذلك ينتشر النموذج الماسوني النخبوي، في النخبة في العالم العربي، التي تنادي بالدولة المدنية، وهذا من التناقضات التي تذخر بها الحضارة الغربية. فنجد بالتالي أن مفهوم الدولة المدنية اللادينية الخالصة هو مفهوم وهمي تماماً. الدين مغروس في الطبيعة البشرية، وإذا لم يهتدي البشر إلى دين الحق فسيتجهون لا محالة إلى أشكال باطلة من التدين. فالبشرية في النهاية لا يمكن أن تلغي الدين تماماً من السيطرة على الحياة.

لماذا الإشادة الدائمة من العلمانيين بمحمد عبده ومحاولة السيطرة على الأزهر وتسخيره  لضرب الإسلام؟

مرة أخرى يقدم لنا التاريخ التفسير، ما يحدث الآن من محاولات السيطرة على الأزهر وضرب الإسلام بالإسلام حدث في المسيحية، فتمكن التحالف الروماني اليهودي من اختراقها ومحاربة رسالة سيدنا عيسى الصحيحة بمسيحية مُحرفة، وسُخرت مدرسة الإسكندرية الدينية التي أُنشئت في نهاية القرن الثاني الميلادي لهذا الغرض. في هذه المدرسة تم الدمج بين العقائد المسيحية والفلسفات الإغريقية والديانات الباطنية الإغريقية الرومانية، لإنشاء مسيحية ترضى عنها روما وقام أتباع تلك المذاهب المحرفة بتطوير العقائد المحرفة إلى أن تم إقرارها في مجمع نيقيا عام 325 ب.م. في نفس الوقت تولوا مهمة محاربة العقائد الصحيحة وإخفائها ومحو كل أثر لها. مع الاضطهاد والإبادة الجسدية لكل من أصر على التمسك بدين الحق الذي كانت تقوم به روما.

نفس الأمر اليوم يحدث من محاولات ضرب الإسلام بمذهب التشيع من جهة وبالصوفية من جهة، والتي تتشابه بالعقائد الوثنية الهند-اوروبية، ومحاولة السيطرة على الأزهر وتوجيهه لضرب الإسلام الصحيح الذي يخشى منه العالم الغربي. محاولات السيطرة على الأزهر بدأت مع جمال الأفغاني ومحمد عبده. وهما معروفان بكونهما ماسونيين،  وهو أمر معلن وغير خافي على أحد، وسنجده مذكور بكل وضوح في المراجع التاريخية التي لا يمكن الطعن فيها. ومحمد عبده مثله مثل الكثيرين قبله من بني إسرائيل ومن غيرهم من المسيحيين من قبل الذين ظهروا في التاريخ باسم المدافعين Apologists، دوره كان التقريب بين الإسلام والحضارة الغربية، سواء قام بهذا الدور قاصداً أم جاهلاً، فهو ليس حجة ولدينا الإسلام الصحيح والسنة هما فقط حجتنا. العالم الغربي وأتباعه من العلمانيين يحاولون فرض آراء الشيخ محمد عبده التي تخدم مصالحهم وتمهد لإخضاع العالم الإسلامي لسيطرتهم.

محمد عبده تحول إلى رمز، نفس الرمز الذي كان بولس يمثله، رمز للخضوع للعالم الغربي، وتصوراته، رمز لقبول التعديلات والتحريفات على الدين الصحيح ليكون متوافقاً مع الأهواء والمصالح الغربية. لذلك كان من الممكن الطعن في المسيح وأمه ولكن لم يكن مسموحاً أبداً رفض أو إنكار بولس، لأن الطعن في المسيح وأمه كفر بالله،وهو أمر لا يهتم به العالم الغربي كثيراً، أما الطعن في بولس فهو رفض للرمز الروماني، رفض للخضوع لروما وللدين الذي فصلته، ولذلك كان رفض بولس يُقابل بكل شدة، أما الطعن في عيسى عليه السلام وأمه فكان مُتسامحاً فيه بشدة.

من الأمور العجيبة أننا نقرأ عن كتاب لكلسوس الأفلاطوني Celsus  في القرن الثاني الميلادي، ظل متداولاً لفترة بدون أي اعتراض أو مقاومة من المدافعين عن الديانة المسيحية Apologistsالذين نشطوا في تلك الفترة أيضاً. يطعن كلسوس في كتابه في السيدة مريم وسيدنا عيسى، ولكن مع ذلك لم يرد عليه ولا واحد من المدافعين، في الوقت الذي كتبوا فيه عشرات الأعمال للرد على الموحدين الذين كانوا يؤمنون ببشرية عيسى عليه السلام ونبوته، اتهموهم فيها بالهرطقة ونعتوهم بأفظع الأوصاف، وبالطبع كان بولس بالنسبة لهم خط أحمر، أما الطعن في السيدة مريم وابنها فكان خط أخضر لا اعتراض عليه. وفي نفس الوقت أشادوا بالأباطرة الذين كانوا أيضاً يمعنون في اضطهاد الموحدين وإبادتهم. ظل كتاب كلسوس متداولاً بدون أي إشارة لإنكار ما ورد فيه من المدافعين، وأول رد عليه كان من أوريجانوس في منتصف القرن الثالث الميلادي. تُنسب إلى بولس الكثير من الآراء والأفكار في العهد الجديد، والتي تتناقض مع بعضها. ولكننا لا نعلم أي الأفكار صدرت منه فعلاً وأيها نُسبت إليه؟ ولكن بولس أصبح رمزاً لإرادة روما، وبالتالي أصبح من حق روما التعبير عن تغيرات مواقفها على لسان بولس حتى بعد رحيله عن العالم. وأصبح المعترضون على بولس معترضون على روما لا يستحقون أي رحمة في التعامل معهم لأنهم بذلك يهددون وجود الدولة الرومانية التي أصبحت رغم قوتها الظاهرة تعتمد في بقائها على أكاذيب تروجها، وعل مدى تصديق الناس لتلك الأكاذيب.

نفس الأمر بالنسبة لمحمد عبده، سواء كان الرجل صالح أم غير ذلك، فقد تحول إلى رمز للإرادة الغربية، وللدين المتوافق مع المصالح الغربية، الاعتراض أيضاً على محمد عبده بعني إعلان الحرب على العالم الغربي وعملاؤه التابعين من العلمانيين. لذلك نجد أن سب النبي صلى الله عليه وسلم أو الطعن في عرضه أو في القرآن يمكن أن يكون مقبولاً من العلمانيين بحجة الدراسات العلمية والحرية الدينية، أما الطعن في محمد عبده فهو غير مقبول على الإطلاق، ومن يجرؤ على ذلك يعرض نفسه لاتهامات التشدد والتطرف والتشهير به. لأن محمد عبده أصبح سواء أراد أو لم يرد رمز للهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، رمز لشكل الدين الذي يريده العالم الغربي للسيطرة على العالم الإسلامي وإخضاعه لسلطانه.

هل هناك رجال دين في الإسلام؟

المفهوم الطبقي للمجتمع بأي شكل من الأشكال غير موجود في الإسلام، الطبقية الدينية التي تميز طبقات على طبقات موجودة في الهندوسية وفي البوذية والديانات والفلسفات الإغريقية والرومانية والفارسية، نجدها في كل الديانات الوثنية الهند-أوروبية. في بعض الأحيان يكون التميز بناء على تميز طبقي اجتماعي-ديني مثل الهندوسية، حيث طبقة البراهمة هي الطبقة المولودة مرتين والتي بعد موت أفرادها يتحدون بالله، البوذية جاءت كحركة إصلاحية للهندوسية فجعلت التميز والاتحاد بالله بعد الموت نتيجة التميز المعرفي-الديني Gnosticismوالزهد والتقشف، وهو نفس التميز الذي نجده في الفلسفات الإغريقية والحركات الصوفية، وعند الشيعة. في الإسلام الصحيح البشر كلهم سواسية، لا يوجد طبقية لا اجتماعية ولا معرفية ولا صوفية ولا توجد نخبة وعوام ولا يوجد أي شكل من أشكال القداسة للبشر، حتى الأنبياء والصالحون ليسوا رجال دين، إنما هم رسل يبلغون رسالة الله ولكن يعيشون كما يعيش الناس ويأكلون من عمل يدهم مثل باقي الناس، ولا يحق لهم أن يتلقوا أي أجر أو تميز على تبليغ الرسالة. البشر كلهم عند الله نوع واحد ومرتبة واحدة، التميز في الرزق لا يعني ارتفاع بعضهم على بعض في المرتبة أو تميزه في الحقوق، والقداسة كلها لله ولا يوجد أي واسطة ولا كهانة ولا شفعاء ولا وسطاء بين البشر وبين الله.

هل هناك دولة دينية في الإسلام؟

ليس هناك دولة دينية في الإسلام، لأن ليس هناك تمييز لناس ولا ضد ناس وتطبيق الشريعة لا يعني إقامة دولة دينية تتميز فيها طائفة على طائفة أو تُضطهد فيها طائفة وتٌحرم من حقوقها. مفهوم الدولة الدينية الطبقي الطائفي تواجد في أوروبا في العصور الوسطى ولا علاقة له برسالة عيسى عليه السلام، وهو متوارث من النموذج الطبقي الاجتماعي الديني الهند-أوروبي.

لماذا كل هذه الكراهية لمحمد بن عبد الوهاب؟

محمد بن عبد الوهاب لا علاقة له بالبترول ولا بسياسة دول الخليج، الرجل دعا إلى التوحيد الخالص وتنقية الإسلام من البدع وعبادة الأولياء والأضرحة، وهذه هي الرسالة الحقيقية الصحيحة للإسلام التي أمر بها الله وجاء بها كل الرسل، وهذا هو السبب الوحيد لكراهيته.

وفي النهاية هل يمكن فعلاً للدولة المدنية أن تتواجد في مصر وما مصيرها؟

العالم كله ليس فيه دولة مدنية بهذا المفهوم الذي ينادي به العلمانيون في مصر، أوروبا مسيحية قلباً وقالباً، وحالة الإباحية والشذوذ التي تعيشها ليست تعبيراً عن المدنية، وعدم التدين، أو عدم التعصب. بل هو نتيجة اختلاط العقائد المسيحية والإغريقية الدينية الأساس، كما أسلفت من قبل، فتلك الحالة من التحرر الأخلاقي نجدها بوضوح في العقائد الإغريقية، وفي حياة أساقفة الكنيسة خاصة الكاثوليكية عبر التاريخ. ما حدث أن الأساقفة كانوا متحررين في الوقت الذي يفرضون على غيرهم عدم التحرر، فجاءت الثورات الأوروبية على الكنيسة لتجعل التحرر حق للجميع.

 الشيء الوحيد الذي يمكن أن تحققه تلك الدعوات إلى الدولة المدنية الوهمية، هو إضعاف عامل الربط بين عناصر الأمة واختفاء هويتها، عند ذاك سنرى لا قدر الله، ظهور الطوائف المتشددة وتصارعها وسنرى حالة من التفتت والسيولة والفوضى، تصيب الجميع حتى المسيحيين أنفسهم الذين تمتعوا بحماية الإسلام لهم حتى الآن، الذي حماهم من الفتن التي أصابت الأوروبيين.

المشكلة في مصر والعالم العربي، أن الدعاة إلى العلمانية ليسوا دعاة أصيلين، بل هم مروجون لدعوة غيرهم، هم علمانيون درجة ثانية. فبينما يمتلك الدعاة الغربيون إلى العلمانية الإرادة ووضوح الرؤيا والهدف، يروج العلمانيون العرب مجرد مقولات ومقتطفات من المفاهيم العلمانية، ولذلك فليس لديهم رؤيا كاملة وحقيقية لمشروع علماني حضاري نهضوي ينبع من احتياجات حقيقية تعبر عنها إرادة شعبية مستقلة. فكل غايتهم هي إرضاء ساداتهم بتنفيذ ما يُطلب إليهم من أعمال ترويجية وتلقي الهدايا والتكريم والإشادة من العالم الغربي، الذي يجيد سياسات الدمج الفكري جيداً. 

تاريخ و حاضر ومستقبل الصراع الغربي الإسلامي

يقدم الغرب فلسفة للتاريخ تتوافق مع مصالحه، فهناك الصراع بين الآلهة وبين البشر، الذي يُحسم في النهاية بانتزاع البشر المعرفة والقوة من الآلهة، وبالتالي استعادة البشر للسيطرة على العالم المادي الذي يعيشون فيه وهكذا تأتي العلمانية كتفسير مادي لفلسفة التاريخ، الآلهة أو الإله أو الكنيسة فرضت الجهل ومنعت العلم عن البشر من أجل السيطرة والهيمنة والاستعباد، الإنسان بالعلم بدد الجهل واكتسب القوة التي ستمكنه من السيطرة على العالم وسيطرة على مصيره بل القضاء على الموت نفسه وبذلك يحقق الإنسان بالعلم التحرر من العبودية المفروضة عليه، بل ويعلن إلوهيته على المستضعفين من البشر.

هناك أيضاً تفسير يتوافق مع التفسير السابق، الإنسان عبر رحلته في التاريخ، بدأ في الترقي من حيوان إلى إنسان بدائي، ثم عبادة الأوثان، ثم الديانات التوحيدية، ثم العلمانية والتحرر من الاستعباد الإلهي، وتحقيق الإلوهية البشرية. فالديانات التوحيدية ما هي إلا مرحلة من مراحل رحلة الإنسان إلى التحرر والتأله.

التفسير الباطني الصوفي للتاريخ يتوافق أيضاً مع التفسير المادي العلماني، في أنه في حالة التفسير الباطني الصوفي، يحقق الإنسان إلوهيته بالمعرفة الغيبية الخاصة التي لا يمكن وصفها وإنما هي تجربة خاصة يصل إليها الإنسان من خلال التقشف، أو ممارسات شاذة، أو من خلال مرشد روحي، وتكون نهاية التاريخ في الخلاص والإتحاد مع الله وفي عودة الإنسان إلى الإلوهية التي كان قد سقط منها من قبل، بفعل إله آخر demiurge هو خالق العالم، الذي خلقه من أجل تعذيب الإنسان وشقائه، وهو أقل درجة من الإله الأعلى، ولكن الإله الأعلى من خلال المعرفة الخاصة المنقولة بالتجربة الصوفية التي تُعاش ولا يمكن وصفها يتمكن من اجتذاب المُختارين إليه ليعودوا إلى حالة الإتحاد الإلهي معه، ويترك باقي المخلوقات ومنها البشر الذين لم يُختاروا للخلاص، للهلاك والفناء.  نجد نفس هذا المفهوم في الديانات الإغريقية والرومانية القديمة والزردشتية والديانة المسيحية، واليهودية والصوفية الهندوسية والبوذية وفي بعض الطرق الصوفية الإسلامية أيضاً.

وهكذا فإن اتجاه التاريخ وفلسفته في المفاهيم الغربية الهند-أوروبية، سواء المادية منها أو الروحية تتلاقى في أنها مشاريع لتأليه البشر وإعلان موت الإله كقوة غيبية تسيطر وتهيمن على الحياة البشرية، وإعلان لسيادة الإنسان على الكون المادي الذي يعيش فيه أو الغيبي الذي سيحكم السيطرة عليه متى بلغ الكمال في العلم المادي أو المعرفة الغيبية.

في مقابل التفسير التاريخي الذي يروج له الغرب، تتحدد فلسفة التاريخ في الإسلام في تلك الآيات :

وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ( الإسراء4)  فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚوَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)  ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖوَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚفَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)

تلك الآيات في بداية سورة الإسراء تفسر لنا فلسفة التاريخ ونجد شبيهاً لها في متى 24، على لسان عيسى بن مريم عليه السلام وهو يحدث تلاميذه عن الأحداث التي ستجري إلى نهاية الزمان.

الصراع بين الحق والباطل وانتصار الحق هي فلسفة التاريخ.

يخطئ من يظن ان العالم الغربي لا يعرف الإسلام، الغرب يعرف الإسلام أكثر من معرفتنا نحن به، العالم الغربي عرف الإسلام من عيسى عليه السلام ورفضه وحاربه من ذلك التاريخ. عيسى عليه السلام دخل القدس فاتحاً ومنتصراً وأعداؤه من اليهود صاروا هم القلة المهزومة وحاولوا اغتياله فرفعه الله، وأخزاهم، ومن بعد رفعه كون الحواريون دولة مسلمة في القدس ونصرهم الله لأنهم نصروه (أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله ۖقال الحواريون نحن أنصار الله ۖفآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ۖفأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين – الصف: 14) ونشروا الإسلام بكل قوة من الصين إلى أسبانيا.

الإفساد الأول

 حاول الرومان واليهود الكافرين في البداية اختراق الدين وإفساده، لكن الحواريون بقيادة يعقوب الصديق أفشلوا خططهم وفضحوهم وانتهي الأمر إلى فشل ذريع، فتحالفت روما واليهود (الغير مؤمنين بعيسى عليه السلام) على حربهم فحاربوهم حرب شعواء استمرت من 65 إلى 135 ميلادية، قُتل في هذه الحرب التي كانت ضد الإسلام الملايين من بني إسرائيل المؤمنين وغيرهم من الشعوب المؤمنة في مصر وليبيا وشمال أفريقيا وتركيا والعراق. بعد تلك الحروب الشرسة التي هي أشد شراسة من الحروب العالمية في القرن العشرين، خلا الجو للتحالف الروماني اليهودي لتزييف الكتابات المقدسة وإضلال المسلمين فجمعوا الكتب الصحيحة ومنعوا تداولها ونشروا كتبهم المزيفة واستمروا في قمع المؤمنين واضطهادهم، حتى أجبروهم على التحول إلى الديانة المحرفة التي حرفها اليهود والرومان لتتناسب مع معتقداتهم الفاسدة، وكان هذا هو الإفساد الأول لبني إسرائيل (بني إسرائيل هم الرومان واليهود مجتمعين لأن الرومان  ادعوا أنهم هم إسرائيل الجديدة فأصبحوا بالفعل ورثة كفر بني إسرائيل).

الإصلاح الاول

كان ببعثة النبي صلي الله عليه وسلام وكشف الحق الذي أخفاه الرومان واليهود وتحرير الناس من العبودية لهم وذروته كانت بالفتوحات الإسلامية وفتح القدس وتحريرها من قبضتهم وعودتها للمسلمين.

الإفساد الثاني والأخير إن شاء الله

كان بعد ضعف المسلمين ووهنهم ومحبتهم للدنيا وبعدهم عن الدين، فرد الله الكرَّة لليهود والرومان بعد نهاية الحروب الصليبية فتمكنوا من السيطرة على العالم ونشر فسادهم وكفرهم وقيمهم الفاسدة والاستعمار وتدمير الأسرة ونشر الربا والوثنية والشرك بالله، والإباحية والشذوذ ومختلف أنواع الكفر والضلال، وهو العصر الذي نعيشه الآن، وهم يسعون الآن إلى كتم الحق الذي يعرفونه جيداً، فعندما ظهرت مخطوطات البحر الميت قبيل حرب فلسطين عام 48 ميلادية، أرسل الفاتيكان الكاردينال رولاند دي فو ليرأس اللجنة الوحيدة المسئولة عن الاكتشافات ويفرض عليها حظر لما يزيد عن 40 عاما، وحتى عندما سُمح للعلماء الإطلاع على المخطوطات فقد كان ذلك لبعض المخطوطات وليس كلها ولا يزال الحظر مفروضاً على بعض المخطوطات. وقد علق روبرت أيسنمان وغيره من العلماء على ذلك بأن الكنيسة الكاثوليكية تخشي ظهور حقائق تؤدي إلى كشف الأكاذيب التي بُنيت عليها المسيحية وتغيير مجرى التاريخ. نفس هذا الحظر مازال يفرضه الفاتيكان على مخطوطات الكتب الرصاصية التي اكتشفت في ساكرومونتو بغرناطة في أسبانيا، والتي يُقال أنها تحتوي على رسائل من الصديقة مريم العذراء إلى أهل أسبانيا تدعوهم فيها إلى الإسلام وتشهد أن لا إله إلا الله وأن المسيح روح الله، ولا يوجد فيها أي ذكر لا للتثليث ولا لبولس.

الإصلاح الثاني

يبدو انه حان وقته والعالم الغربي يشعر بذلك، فهم يشعرون أن علوهم اقترب من الأفول وحضارتهم التي قامت على أكاذيب وضلالات اقتربت من النهاية، ولذلك تشتد شراستهم لمحاربة الإسلام. وتلك الحرب تتركز الآن في مصر التي شرفها الله بأن يكون لها دورا رئيسياً في الدفاع عن الإسلام طوال تاريخها في صد الحروب الصليبية والمغول، وسينصر الله المسلمين عندما يفيقون ويعودون إلى الحق وإلى الله، كما وعدهم في سورة الإسراء ويمكنهم من دخول القدس مرة أخرى وكشف الفساد وإظهار الحق وتحرير الناس من أكاذيب وفساد بني إسرائيل ، تلك هي فلسفة التاريخ وهذا هو قدر الله وحكمته التي تتجلى لنا في التاريخ (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ۚإن الله قوي عزيز – المجادلة 21)

ملحوظة

المعلومات الواردة في المقالة لا يُقصد بها الإساءة إلى أي دين على الإطلاق وإنما هي دراسة غايتها البحث عن الحقيقة، تطبيقاً للآية الكريمة :" ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖوَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖوَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل - 125)، فالله عز وجل أمر بالجدال، ولكن بالتي هي أحسن، والتي هي أحسن تشمل البحث العلمي، والاستدلال بالبراهين. والمعلومات الواردة في المقالة تستند إلى حد كبير على دراسات العلماء الغربيين للمخطوطات والكتب المختلفة وعلى تحليلهم العلمي لتلك البيانات باستخدام وسائل علمية بعيدة عن التحيز والآراء المسبقة، مثل وسائل النقد النصي أو التاريخي، Higher criticism, Lower criticism.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.