الاثنين، 18 يوليو، 2011

الاستسلام والحكم لله


إن من حق هذه الأمة أمة الإسلام - خير أمة أخرجت للناس - أن تفخر بدينها، وتعتز بتشريعها، حيث توحدت به الصفوف، والتقت به القلوب. أنقذها من مهاوي الرذيلة إلى مشارف الفضيلة ونقلها من الذل والاستعباد إلى العزة والكرامة وصحيح الحرية، دين الأمن والأمان، وشريعة العدل والرحمة. دين أكمله الله فلن ينقص أبدا، ورضيه فلن يسخط عليه أبداً: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [المائدة:3].

إن شريعة الله هي المنهج الحق الذي يصون الإنسانية من الزيغ، ويجنبها مزالق الشر ونوازع الهوى.شفاء الصدور، وحياة النفوس، ومعين العقول. يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس:57-58].
منبع الشريعة ومصدرها كتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيه محمد .
كتاب الله أساس الدين ومصدر التشريع، رحمة الله على العالمين، حوى أصول الشريعة وقواعدها في عقائدها وأخلاقها وحلالها وحرامها، يضيء للأئمة مسالك الاستنباط في معرفة أحكام الحوادث والمستجدات في كل زمان ومكان.
((فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها)) كما قال الإمام الشافعي رحمه الله.
ويقول الشاطبي: ((الكتاب كل الشريعة، وعمدة الملة ،وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور البصائر والأبصار. لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة إلا لمن استضاء بهداه)). اهـ .
يفتح مغاليق القلوب وتستنير به الأفئدة.
كتاب الله الحكيم، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.
أما سنة المصطفى في أقواله وأفعاله وتقريراته فهي المفسرة للقرآن الدالة عليه، والمبينة لمجمله والمفصلة لأحكامه، فرض اتباعها، وحرام مخالفتها: من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء:80]. وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر:7]. فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور:63].
 الإسلام عقيدة وشريعة.
 إيمان بالله وتوحيد له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته - إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره - عبودية تامة، وخضوع مطلق. رضى بدين الله، وتصديق برسول الله من غير شك ولا ريب ولا حرج.
التزامه في المنهج والعمل. في التعامل والقضاء. في الحكم والإدارة. في الأفراد والجماعات.
إن الإسلام حياة تعبدية. تجعل المسلم موصول القلب بربه، يبتغي رضوانه في شئونه كلها.
نظام خلقي يقوم على إشاعة الفضيلة واستئصال الرذيلة، نظام سياسي أساسه إقامة العدل، وتثبيت دعائم الحق، نظام اجتماعي نواته الأسرة الصالحة وعماده التكافل بين أبناء المجتمع. دين عمل وإنتاج. منهج كامل متكامل لكافة أنماط النشاط البشري على نور من الله. ابتغاء مرضاة الله.
ومن هنا - أمة الإسلام - فإن هذا الدين بأصوله ومبادئه وفّى ويفي بحاجات البشرية في كل عصر ومصر. انتشر في أنحاء الدنيا، ودخل تحت سلطانه أجناس البشر، فوسع بمبادئه وقواعده كل ما امتد إليه نفوذه من أصقاع المعمورة. عالج كافة المشكلات على اختلاف البيئات. وما عجز في يوم من الأيام عن أن يقدم لكل سؤال جوابا، ولكل واقعة فتوى، ولكل قضية حكما. ومدونات الفقه والفتاوى برهان للمتشككين.
وكيف يكون ذلك والشريعة - كما قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: ((مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، عدل كلها، رحمة كلها، ومصالح كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة))، لقد كانت هذه الشريعة أساس الحكم والقضاء والفُتيا في العالم الإسلامي كله أكثر من ثلاثة عشر قرنا، انضوى تحت لوائها أعراق شتى، وامتزجت بها بيئات متعددة، فما ضاقت ذرعا بجديد، ولا قعدت عن الوفاء بمطلوب.
ولماذا نرجع إلى الماضي، وبين أيدينا - ولله الحمد والمنة حجة قائمة، وبرهان ظاهر، فهذه بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية قائمة على كتاب الله وسنة رسول الله ، محكمة شرع الله. قادتها وحكومتها وأهلها ومجتمعها يعيشون في ظلال الشريعة، ونور الكتاب والسنة في أمن وطمأنينة، وخير ونعمة، ملء القلوب الرضى، وما يرجى من الله خير وأبقى ،أدام الله علينا نعمه، وزادنا إيمانا وتوفيقا ورضى وتسليما.
 إن من مقتضيات الإيمان الإقرار بحق التشريع لله وحده، فالحكم لله وحده إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه [يوسف:40].
والتولي والإعراض عن تحكيم شرع الله، من مسالك المنافقين والظالمين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون [ النور:48-50].
ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً [ النساء:60].
أمة الإسلام: على الرغم من هذا الوضوح والجلاء.. إلا أن أعداء الإسلام أبوا إلا وضع العراقيل، وتلفيق التهم، والاختلاق الفكري الذي يجعل من بعض المسلمين - حتى المثقفين يستحيون أو يشمئزون من ذكر بعض شرائع الإسلام، كالحدود والقصاص والحجاب، وكأنهم لا يرون مانعا أن تكون ديار الإسلام ميدانا فسيحا تنمو فيه الدنايا وسفاسف الأخلاق، وموطنا رحبا يجد فيه المجرمون والمتوحشون فرصا للاعتداء والاغتيال. بل إنك ترى في بعض من يخوض فيها ويلوك.. أناسا لا يعرفون الطريق إلى المساجد، أو لا يتورعون عن الموبقات والمزالق، فتراهم يسرون أو يعلنون: إن تحريم الخمر والزنا وقطع دابر اللصوص والمفسدين... تشدد وهمجية. أما سمعوا قول الله في المنافقين: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم [محمد:9]. وقوله سبحانه: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم [محمد:28].
أيها الإخوة في الله: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، وليس الإسلام مجرد الانتساب الاسمي، ولكنه ما استيقنه القلب وصدقه العمل.
ومن هنا فحين يصدق المسلمون ويخلصون لدينهم، فيجعلون كتاب الله وسنة نبيه محمد أساس الحكم، وتبنى عليهما مناهج التربية والتوجيه.. حينئذ يتحقق الوعد ويتأكد التمكين وينزل النصر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون [المائدة:49-50].
قال ابن كثير :
وقوله: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك، والنهي عن خلافه.
ثم قال [تعالى]  { وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } أي: احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما يُنْهُونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كَذبة كَفَرة خونة. { فَإِنْ تَوَلَّوْا } أي: عما تحكم به بينهم من الحق، وخالفوا شرع الله { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قَدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم. { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } أي: أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق ناؤون عنه، وقوله: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها  بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَساق  وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله [صلى الله عليه وسلم]  فلا يحكم سواه  في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه  من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.اهـ

إن حقيقة الإيمان: هي الرضا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا، ومن ثم الخضوع والطاعة والانقياد والتسليم.
أما الحرج في الصدور والريب في القلوب والاستسلام للهوى ورغبات النفوس، فهو من مظاهر النفاق ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً [النساء:65].
قال ابن كثير : يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: { ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".اهـ
( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون [النور:51-52].
قال ابن كثير : ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله، فقال: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي: سمعًا وطاعة؛ ولهذا وصفهم تعالى بفلاح، وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب، فقال: { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .
وقال قتادة في هذه الآية: { أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ذُكر لنا أن عُبَادة بن الصامت -وكان عَقَبيَّا بدريا، أحد نقباء الأنصار -أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أنبئك بماذا عليك وَمَاذا لك؟ قال: بلى. قال: فإن عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومَنْشَطك ومكرهك، وأثرةً عليك. وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وألا تنازع الأمرَ أهله، إلا أن يأمروك بمعصية الله بَوَاحا، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله.
وقال قتادة: وَذُكر  لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله، وللخليفة وللمؤمنين عامة.
قال: وقد ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يقول: عُروة الإسلام شهادةُ أن لا إله إلا الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين.
فيا عباد الله 
اتقوا الله وأطيعوه واعملوا بشرعه يرتفع الشأن، ويعز السلطان، ويندحر العدو.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.