الحروب الصليبية

الخميس، 22 ديسمبر 2011

ما البحث؟ وما الباحث؟ د/عباس أرحيلة

أولا: البحث حفرُ وتنقيب في التراب

1 –  بَحَثَ: حفَرَ الأرض وطلب شيئا مطموراً في التراب. فالبحث لغةً: طلبُكَ الشيءَ في التراب. فهو: نبْشٌ وتفتيشٌ وتنْقيبٌ (1).

لاحظ ابن جني (392 هـ) في "كتاب الخصائص" أن أهل العربية «قد يُضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المُعَبَّرِ عنها بها ترتيبَها (…). وذلك قولهم: بحث:


فالباء لغلظها تُشبه بصوتها خَفْقَة الكف على الأرض،

 والحاء لِصَحَلها تُشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض،

 والثاء للنَّفْث والبث للتراب» (2).

 فدلالة لفظ بحث مأخوذةٌ من أصوات حروفه وترتيبها:

الباء: صوتها يُشبه صوتَ خفْقة الكف على الأرض؛ أي حين تضرب الأرض فيُسمع لها صوت. ويُقال: خفق بنعليْه: ضرب إحداهما بالأخرى.

الحاء: صوتُها يُشبه صوت البُحَّة، من صحِل الرجل  إذا كان قي صوته بُحَّة.

الثاء: صوتها يُشبه صوت التراب حين يُنفث ويتطاير في الهواء.

ثانيا:" فبعث الله غرابا يبحث في الأرض"

[ المائدة:31].

ورد في القرآن الكريم أن ابنيْ آدم اقتتلا؛ وطوَّعت نفسُ أحدهما قتل أخيه فقتله؛ " فأصبح من الخاسرين" فلم يعرف كيف يواري جثتة. وفي رواية أن الله تعالى بعث غرابيْن شاهدهما يقتتلان، وحين قتل أحدهما الآخر، راح القاتل يبحثُ التراب أي يُفتشه بمنقاره ويُثيرُه؛ فيُلقيه على الغراب الميت ليُواريَ سَوْأَتَه(3).

فبحث معناه فتّشً عن شيء مطمور في التراب، وفي المثل:" كباحثة عن حتفها بظلفها"؛ وذلك أن شاة بحثت عن سكين في التراب بِظِلْفِها، ثم ذُبِحَتْ به.

وسُمِّيَتْ سورة التوبه بسورة البُحوث والبَحوث؛ لأنها بحثتْ عن المنافقين وأسرارهم فكشفتهم. فالمعنى اللغوي يُفيد إخراج شيء من الخفاء إلى الظهور، ومن الغياب إلى الحضور.

ومن منطلق هذا المعنى اللغوي الحسي ننتقل إلى معنى استخراج شيء جديد في مجال المعرفة.

ثالثا: البحث حفرٌ وتنقيبٌ في المعرفة

1 – بحث النص: تناوله بالشرح والدرس؛ فالبحث عُرْفاً: محاولة لاكتشاف حقيقة كانت غائبة عن الأنظار. فهو تفتيش وتنقيب وفحص وكشف لفكرة ما. واكتشاف الحقيقة يأتي عن طريق إثبات النِّسبة الإيجابية أو السلبية بين شيئين بطريق الاستدلال.

2 – والمعنيان اللغوي والعرفي يقتضيان بَذْلَ الجهد في النبش والحفر والتفتيش والتنقيب عن شيء لا يُشك في قيمته. وآليات النبش والحفر والتنقيب في الأرض تتعدد وتتنوع بحسب الموقع وطبيعة التربة، واستعداد الباحث، وما له من أدوات وتقنيات ومهارات في الحفر. وآليات الحفر في مجال المعرفة هي القراءة الفاحصة، المنقِّبة، ومن أدواتها السؤال والتحري والاستخبار، استعمال آليات الفهم والتدبر والاستنباط.

فالبحث العلمي مُعتَمَدُه الدرس وإعمال الفكر، وطول التأمل والتعمُّق، والقدرة على الاستنباط.

ومن نماذج استعمال مادة بحث نذكر:

1 – قول ابن طباطبا العلوي (322هـ) في كتابه عيار الشعر عن التشبيه في الشعر العربي الذي يُحتَجُّ به:« فابحث عنه ونَقِّرْ عن معناه؛ فإنك لا تعدِمُ أن تجدَ تحتَه خبيئةً إذا أثرْتَها عرفتَ فضل القوم بها وعلِمتَ أنهم أرقُّ طبعاً مِن أن يَلفِظوا بكلام لا معنى تحته» (4).

2 - وقول أبي حيان التوحيدي (414 هـ)، في الإمتاع والمؤانسة، عن أهل البيان الذين« يستخرجون غوامض العلم من مَخابئِها» (5). 

3 – وقول عبد القاهر الجرجاني (471 هـ) في دلائل الإعجاز حين لاحظ أن بعض العبارات البلاغية تأتي كالرمز والإيماء، والمغزى من تلك العبارات يأتي بعضه «كالتنبيه على مكان الخبيء ليُطلَب، وموضِع الدفين لِيُبحَث عنه فيُخرَج» (6).

رابعا: فمن هو الباحث إذن؟

إنه من يُنقّب عن الجديد، ويأتي بشيء لم يُسبَق إليه.  ويحاول ما أمكنه ذلك أن ياتي بشيء جديد. فنحن نطلق مجازاً لفظة بحث على أي بحث كان. والأصل أن لا نطلقه إلا إذا أخرج صاحبه ما كان غائبا عن الأنظار؛ أي إذا أبدع  شيئا يُعد تراكما حقيقيا في بابه.

 وهاجس الإبداع هو ما ينبغي أن يؤرِّق كل باحث، حتى لا يُقال عن بحثه إنه كان «مُعاداً مكروراً»، وخاصة أن السابقين ما تركوا من "متردَّمِ".

وتميز ابن المرزبان بلقب الباحث في القرن الرابع ( أبو منصور محمد بن سهل المرزبان 330 هـ). ولقَّبه النديم في الفهرست  بـ «الباحث عن مُعتاص العلم»؛ أي أنه تميز باستخراج ما استعصى على غيره.

هوامش:

(1) اللسان – تاج:[مادة: بحث].

      (2) الخصائص: عثمان بن جني ت392هـ، تح: محمد علي النجار – ط1[دار الكتاب العربي، بيروت]: 2/162- 163

(3) ينظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ابن عطية( عبد الحق بن غالب ت446هـ)، تح: عبد السلام عبد الشافي محمد – ط1[ الكتب العلمية، بيروت،1993]:2/180 – 181

 (4) عيار الشعر : ابن طَباطَبا العلوي ( محمد بن أحمد ت 322هـ)، تح: د. عبد العزيز بن ناصر المانع – ط1[ القاهرة، مطبعة المدني، 1985]، ص11

(5) الإمتاع والمؤانس: أبو حيان التوحيدي ( محمد بن أحمد ت 414هـ)، تح: أحمد أمين، أحمد الزين – د.ط [ منشورات دار مكتبة الحياة، د.ت]: 2/144

(6) دلائل الإعجاز الجرجاني ( عبد القاهر بن عبد الرحمن ت471 هـ)، تح: محمود محمد شاكر – ط1[ القاهرة، مطبعة المدني، 1984]، ص34



ملاحظة:

منبر الرابطة المحمدية للعلماء، العدد 27 ، 21 جمادى الثانية 1432هـ/ 1يونيو 2011م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.